قَالَ الْقَاضِي: وَهَذِهِ الطَّرِيقُ الَّتِي سَلَكُوهَا فِي الْجَوَابِ مُعْتَمَدَةٌ، أَوْ أَكْثَرُهَا. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شِعْرًا لَكَانَتِ النُّفُوسُ تَتَشَوَّقُ إِلَى مُعَارَضَتِهِ، لِأَنَّ طَرِيقَ الشِّعْرِ غَيْرُ مُسْتَصْعَبٍ عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ.
فَصْلٌ: [فِي اخْتِلَافِ الْمَقَامَاتِ وَذِكْرِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا يُلَائِمُهُ]
مِمَّا يَبْعَثُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْإِعْجَازِ اخْتِلَافَاتُ الْمَقَامَاتِ وَذِكْرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا يُلَائِمُهُ، وَوَضْعُ الْأَلْفَاظِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَرَادِفَةً، حَتَّى لَوْ أُبْدِلَ وَاحِدٌ مِنْهَا بِالْآخَرِ، ذَهَبَتْ تِلْكَ الطُّلَاوَةُ، وَفَاتَتْ تِلْكَ الْحَلَاوَةُ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْأَرْضِ لَمْ تَرِدْ فِي التَّنْزِيلِ إِلَّا مُفْرَدَةً، وَإِذَا ذُكِرَتْ وَالسَّمَاءُ مَجْمُوعَةٌ لَمْ يُؤْتَ بِهَا مَعَهَا إِلَّا مُفْرَدَةً، وَلَمَّا أُرِيدَ الْإِتْيَانُ بِهَا مَجْمُوعَةً قَالَ: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} (الطَّلَاقِ: 12) ، تَفَادِيًا مِنْ جَمْعِهَا.
وَلَفْظَ الْبُقْعَةِ لَمْ تُسْتَعْمَلْ فِيهِ إِلَّا مُفْرَدَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ} (الْقَصَصِ: 30) فَإِنْ جُمِعَتْ حَسَّنَ ذَلِكَ وُرُودُهَا مُضَافَةً، كَقَوْلِهِمْ: بِقَاعُ الْأَرْضِ.
وَكَذَلِكَ لَفْظُ اللُّبِّ مُرَادًا بِهِ الْعَقْلُ لَمْ يَرِدْ إِلَّا مَجْمُوعًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (ص: 43) ، {لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (الزُّمَرِ: 21) فَإِنَّهُ يَعْذُبُ دُونَ الْإِفْرَادِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} (الْأَحْزَابِ: 4) وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} (آلِ عِمْرَانَ: 35) اسْتُعْمِلَ الْجَوْفُ فِي الْأَوَّلِ وَالْبَطْنُ فِي الثَّانِي مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَلَوِ اسْتُعْمِلَ أَحَدُهُمَا فِي مَوْضِعِ الْآخَرِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْحُسْنِ وَالْقَبُولِ عِنْدَ الذَّوْقِ مَا لِاسْتِعْمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ.