فَالْجَوَابُ؛ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ الْفُصَحَاءَ مِنْهُمْ لَمَّا أُورِدَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَوِ اعْتَقَدُوهُ شِعْرًا لَبَادَرُوا إِلَى مُعَارَضَتِهِ؛ لِأَنَّ الشِّعْرَ مُنْقَادٌ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَعْمِدُوا إِلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ ذَلِكَ، فَمَنِ اسْتَدْرَكَ فِيهِ شِعْرًا زَعَمَ أَنَّهُ خَفِيَ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، وَهُمْ مُلُوكُ الْكَلَامِ مَعَ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إِلَى الطَّعْنِ فِي الْقُرْآنِ، وَالْغَضِّ مِنْهُ وَالتَّوَصُّلِ إِلَى تَكْذِيبِهِ بِكُلِّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَلَنْ يَجُوزَ أَنْ يَخْفَى عَلَى أُولَئِكَ وَأَنْ يَجْهَلُوهُ وَيَعْرِفَهُ مَنْ جَاءَ الْآنَ، فَهُوَ بِالْجَهْلِ حَقِيقٌ.
وَحِينَئِذٍ فَالَّذِي أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْبَيْتَ الْوَاحِدَ وَمَا كَانَ عَلَى وَزْنِهِ لَا يَكُونُ شِعْرًا، وَأَقَلُّ الشِّعْرِ بَيْتَانِ فَصَاعِدًا، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ صِنَاعَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالُوا أَيْضًا: إِنَّ مَا كَانَ عَلَى وَزْنِ بَيْتَيْنِ إِلَّا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ وَزْنُهُمَا وَقَافِيَتُهُمَا فَلَيْسَ بِشِعْرٍ أَصْلًا.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الرَّجَزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ أَصْلًا، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَشْطُورًا أَوْ مَنْهُوكًا.
وَكَذَا مَا يُقَارِبُهُ فِي قِلَّةِ الْأَجْزَاءِ، وَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ السُّؤَالُ.
ثُمَّ نَقُولُ: إِنَّ الشِّعْرَ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ مَتَى قُصِدَ إِلَيْهِ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي تُعْمَدُ وَتُسْلَكُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَّفِقَ مِثْلُهُ إِلَّا مِنَ الشُّعَرَاءِ دُونَ مَا يَسْتَوِي فِيهِ الْعَامِّيُّ وَالْجَاهِلُ، وَمَا يَتَّفِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، فَلَيْسَ بِشِعْرٍ؛ فَلَا يُسَمَّى صَاحِبُهُ شَاعِرًا، وَإِلَّا لَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ شُعَرَاءَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُتَكَلِّمٍ لَا يَنْفَكُّ أَنْ يَعْرِضَ فِي جُمْلَةِ كَلَامِهِ مَا يَتَّزِنُ بِوَزْنِ الشِّعْرِ وَيَنْتَظِمُ بِانْتِظَامِهِ.
وَقِيلَ: أَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنَ الرَّجَزِ شِعْرًا أَرْبَعَةُ أَبْيَاتٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ بِحَالٍ.