وَهَذَا تَعْلِيمٌ لِلتَّمَامِ؛ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عَلَى الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْعَذَابِ وَالنَّارِ، وَتُفْصَلَ عَمَّا بَعْدَهَا نَحْوَ: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، وَلَا تُوصَلَ بِقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (الْبَقَرَةِ: 82) ، وَكَذَا قَوْلُهُ: {حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} (غَافِرٍ: 6) ، وَلَا تُوصَلُ بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} ، وَكَذَا {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ} (الشُّورَى: 8) ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَلَ بِقَوْلِهِ: (وَالظَّالِمُونَ) ، وَقِسْ عَلَى هَذَا نَظَائِرَهُ.
شُرُوطُهُ
وَهَذَا الْفَنُّ مَعْرِفَتُهُ تَحْتَاجُ إِلَى عُلُومٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ:"لَا يَقُومُ بِالتَّمَامِ إِلَّا نَحْوِيٌّ عَالِمٌ بِالْقِرَاءَاتِ، عَالِمٌ بِالتَّفْسِيرِ وَالْقَصَصِ، وَتَلْخِيصِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، عَالِمٌ بِاللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ"وَقَالَ غَيْرُهُ: وَكَذَا عِلْمُ الْفِقْهِ، وَلِهَذَا: مَنْ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ وَإِنْ تَابَ وَقَفَ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} (النُّورِ: 4) .
فَأَمَّا احْتِيَاجُهُ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّحْوِ وَتَقْدِيرَاتِهِ، فَلِأَنَّ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (الْحَجِّ: 78) إِنَّهُ مَنْصُوبٌ بِمَعْنَى"كَمِلَّةِ"، أَوْ أَعْمَلَ فِيهَا مَا قَبْلَهَا لَمْ يَقِفْ عَلَى مَا قَبْلَهَا وَمَنْ نَصَبَهَا عَلَى الْإِغْرَاءِ وَقَفَ عَلَى مَا قَبْلَهَا.
وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} (الْكَهْفِ: 1) ثُمَّ يَبْتَدِئُ (قَيِّمًا) ؛ لِئَلَّا يُتَخَيَّلَ كَوْنُهُ صِفَةً لَهُ؛ إِذِ الْعِوَجُ لَا يَكُونُ قَيِّمًا، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ النَّحَّاسِ عَنْ قَتَادَةَ.