وقوله: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً} بالنصب معطوف على مفعول {أَحْلَلْنَا} ؛ إذ ليس معناه إنشاء الإحلال الناجز، بل إعلام مطلق الإحلال المنتظم لما سبق ولحق، والمعنى: وأحللنا لك امرأة مؤمنة بالله مصدِّقة بالتوحيد. {إِنْ وَهَبَتْ} تلك المرأة {نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي: لك بغير صداق، والالتفات للإيذان بأن هذا الحكم مخصوص به لشرف نبوته، وأما من لم تكن مؤمنة .. فلا تحل لك بمجرد هبتها نفسها لك. والهبة: أن تجعل ملكك لغيرك بغير عوض. والحرة لا تقبل الهبة، ولا البيع، ولا الشراء؛ إذ ليست بمملوكة، فمعناه: إن ملَّكته بضعها بلا مهر، بأي عبارة كانت من: الهبة، والصدقة، والتمليك، والبيع، والشراء، والنكاح، والتزويج، وكان من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - أن النكاح ينعقد في حقه بلفظ الهبة وغيرها من غير ولي ولا شهود ولا مهر؛ لقوله: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} .
ومعنى الشرط إن اتفق ذلك، أي: وجد اتفاقًا، ولكن ليس ذلك بواجب عليك بحيث يلزمك قبول ذلك، بل مقيَّد بإرادتك، ولهذا قال: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ} - صلى الله عليه وسلم - {أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} ؛ أي: أن يجعلها منكوحة له، ويتملك بضعها بتلك الهبة لا بمهر ابتداءً وانتهاءً، وهذا شرط للشرط الأول في استيجاب الحل، فإن هبتها نفسها منه لا توجب له حلها إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول.
وقيل: إنه لم ينكح النبي - صلى الله عليه وسلم - من الواهبات أنفسهن أحدًا، ولم يكن عنده منهن شيء، وقيل: كان عنده منهن خولة بنت حكيم، كما في"صحيح البخاري"عن عائشة. وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث، وقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة الأنصارية أم المساكين، وقيل غير ذلك.