ثم رجع إلى ما ذكر في أول السورة فقال تعالى: {وَلاَ تُطِعِ الكافرين} من أهل مكة {والمنافقين} من أهل المدينة {وَدَعْ أَذَاهُمْ} أي: تجاوز عن المنافقين ، ولا تقتلهم.
ويقال: ودع أذاهم يعني: اصبر على أذاهم.
وإن خوفك شيء منهم فتوكل على الله يعني: فوض أمْرك إلى الله.
وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة عن ابن مسعود.
وقال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة.
فقال رجل من الأنصار: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.
فأخبر بذلك ، فاحمر وجهه ، فقال:"رَحِمَ الله أخِي مُوَسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَر".
ثم قال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً} يعني: حافظاً نصيراً.
وقوله عز وجل: {وَكِيلاً يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} قرأ حمزة والكسائي {تماسوهن} وقرأ الباقون {لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} مثل الاختلاف الذي ذكرنا في سورة البقرة {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ} يعني: ليس للأزواج عليهن عدة {تَعْتَدُّونَهَا} وإنما خصّ المؤمنات ، لأن نكاح المؤمنات كان مباحاً في ذلك الوقت.
فلما أحلّ الله تعالى نكاح الكتابيات ، صار حكم الكتابية وحكم المؤمنة في هذا سواء إذا طلقها قبل أن يخلو بها لا عدة عليها بالإجماع.
وإن طلقها بعد ما خلا بها ، ولم يدخل بها فقد روي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: لا عدة عليها.
وقال عمر وعلي ومعاذ وزيد بن ثابت وجماعة منهم رضي الله عنهم أن عليها العدة ، وهو أحوط الوجهين ، أنه إذا خلا بها ولم تكن المرأة حائضاً ، ولم يكن أحدهما مريضاً ، ولا محرماً ولا صائماً صوم فرض ، يجب على الزوج المهر كاملاً ، وعليها العدة احتياطاً.