الثانى: مخرج التنوين، والنون الساكنة مع حروف الإخفاء من الخيشوم فقط، ولا حظ لهما معهن في الفم؛ لأنه لا عمل للسان فيهما كعمله فيهما، مع ما يظهران عنده أو يدغمان فيه بغنة، وحكمهما مع الغين والخاء عند أبى جعفر كذلك؛ لأنه أجراهما مجرى حروف الضم للتقارب بينهما وبينهن عند غيره من أصل مخرجهما؛ لإجرائهم لهما مجرى [باقى] حروف الحلق؛ لكونهما من جملتهن.
الثالث: اختلف في الإدغام بالغنة في الواو والياء، وكذلك في اللام والراء عند من روى ذلك:
قال بعضهم: هو إخفاء إلا أنه لا بد فيه من تشديد يسير، وتسميته: إدغاما مجاز، وقاله السخاوى، قال: وهو قول الأكابر، قالوا: الإخفاء ما بقيت معه الغنة، والإدغام ما لا غنة معه.
[والصحيح: أنه إدغام ناقص؛ لوجود لازمه المساوى، وهو التشديد؛ فلزم وجوده.
[و] قولهم الإدغام لا غنة فيه].
قلنا: إن أردتم كامل التشديد فمسلّم، ولم ندّعه، أو الناقص فممنوع؛ للدليل القاطع، وهو وجود اللازم المساوى، والغنة الموجودة معه لا تزيد على صوت الإطباق معه في أَحَطْتُ [النمل: 22] وبَسَطْتَ [المائدة: 28] ؛ ولهذا قال الدانى: لم يكن إدغاما صحيحا؛ لأنه لا يبقى فيه من الحرف المدغم أثر؛ إذ كان لفظه ينقلب كلفظ المدغم فيه، بل هو في الحقيقة كالإخفاء الذي يمتنع فيه الحرف من القلب؛ لظهور صوت
المدغم، وهو الغنة.
الرابع: أطلق من ذهب إلى الغنة في اللام، وينبغى تقييده بالمنفصل رسما، نحو: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة: 24] ؛ لثبوت النون فيه.
أما المتصل نحو: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ بهود [الآية: 14] ، أَلَّنْ نَجْعَلَ بالكهف [الآية: 48] - فلا غنة؛ لمخالفة الرسم، وهو اختيار الدانى وغيره من المحققين.
قال الدانى: قرأت الباب كله المرسوم منه بالنون وبغيرها بثبات الغنة، وإلى الأول أذهب.
قال الناظم: وكذلك قرأت على شيوخى بالغنة، ولا آخذ به غالبا.
ويمكن أن يجاب عن إطلاقهم بأنهم إنما أطلقوا إدغام النون بغنة، ولا نون في المتصل.
الخامس: إذا قرئ بإظهار الغنة من النون الساكنة والتنوين في اللام والراء للسوسى وغيره عن أبى عمرو، فينبغى قياسا إظهارها من النون المتحركة نحو نُؤْمِنَ لَكَ[البقرة:
55]، وزُيِّنَ لِلَّذِينَ [البقرة: 212] ؛ إذ النون تسكن حينئذ للإدغام.
قال الناظم: وبعدم الغنة قرأت عن أبى عمرو في الساكن والمتحرك، وبه آخذ.
ويحتمل أن القارئ بإظهار الغنة إنما يقرأ بذلك في وجه الإظهار حيث يدغم الإدغام الكبير، والله أعلم.