أما الذين خاضوا في الإفك ، فلكل منهم بقدر نصيبه من تلك الخطيئة: {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم} .. ولكل منهم نصيبه من سوء العاقبة عند الله. وبئس ما اكتسبوه ، فهو إثم يعاقبون عليه في حياتهم الدنيا وحياتهم الأخرى: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} يناسب نصيبه من ذلك الجرم العظيم.
والذي تولى كبره ، وقاد حملته ، واضطلع منه بالنصيب الأوفى ، كان هو عبد الله بن أبي بن سلول. رأس النفاق ، وحامل لواء الكيد. ولقد عرف كيف يختار مقتلاً ، لولا أن الله كان من ورائه محيطاً ، وكان لدينه حافظاً ، ولرسوله عاصماً ، وللجماعة المسلمة راعياً.. ولقد روي أنه لما مر صفوان بن المعطل بهودج أم المؤمنين وابن سلول في ملأ من قومه قال: من هذه؟ فقالوا: عائشة رضي الله عنها.. فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها. وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ؛ ثم جاء يقودها!
وهي قولة خبيثة راح يذيعها عن طريق عصبة النفاق بوسائل ملتوية. بلغ من خبثها أن تموج المدينة بالفرية التي لا تصدق ، والتي تكذبها القرآئن كلها. وأن تلوكها ألسنة المسلمين غير متحرجين. وأن تصبح موضوع أحاديثهم شهراً كاملاً. وهي الفرية الجديرة بأن تنفى وتستبعد للوهلة الأولى.
وإن الإنسان ليدهش حتى اليوم كيف أمكن أن تروج فرية ساقطة كهذه في جو الجماعة المسلمة حينذاك. وأن تحدث هذه الآثار الضخمة في جسم الجماعة ، وتسبب هذه الآلام القاسية لأطهر النفوس وأكبرها على الإطلاق.
لقد كانت معركة خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك. وخاضها الإسلام. معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج منها منتصراً كاظماً لآلامه الكبار ، محتفظاً بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره.