وقد صح من غير وجه عن الصادق المصدوق أنه قال: ( فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام ) وفي الصحيح عن عَمْرو بن العاص قال: قلت: يا رسول الله ! أي: النساء أحب إليك ؟ قال: ( عائشة ) قلت: ومن الرجال ؟ قال: ( أبوها ) قلت: ثم من ؟ قال: ( عمر , وسمى رجالاً ) . وهؤلاء يقولون: قوله صلى الله عليه وسلم لخديجة: ( ما أبدلني الله خيراً منها ) : إن صح معناه ما أبدلني خيراً لي منها: فإن خديجة نفعته في أول الإسلام نفعاً لم يقم غيرها فيه مقامها . فكانت خيراَ له من هذا الوجه لكونها نفعته وقت الحاجة, وعائشة صحبته في آخر النبوة وكمال الدين . فحصل لها من العلم والإيمان ما لم يحصل لمن لم يدرك إلا أول النبوة . فكانت أفضل لهذه الزيادة فإن الأمة انتفعت بها أكثر مما انتفعت بغيرها ، وبلغت من العلم والسن ما لم يبلغه غيرها فخديجة كان خيرها مقصوراً على نفس النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تبلغ عنه شيئاً ، ولم تنتفع بها الأمة كما انتفعوا بعائشة ، ولأن الدين لم يكن قد كمل حتى تعلمه ، ويحصل لها من كمالاته ما حصل لمن علم وآمن به بعد كماله ، ومعلوم أن من اجتمع همه على شيء واحد ، كان أبلغ فيه ممن تفرق همه في أعمال متنوعة . فخديجة رضي الله تعالى عنها خير له من هذا الوجه . لكن أنواع البر لم تحصر في ذلك . ألا ترى أن من كان من الصحابة أعظم إيماناً ، وأكثر جهاداً بنفسه وماله . كحمزة وعلي وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وغيرهم ، هم أفضل من كان يخدم النبي ّ صلى الله عليه وسلم وينفعه في نفسه أكثر منهم . كأبي رافع وأنس بن مالك وغيرهما . وفي الجملة ، الكلام في تفضيل عائشة وخديجة ليس هذا موضع استقصائه . لكن المقصود هنا أن أهل السنة مجمعون على تعظيم عائشة ومحبتها ، وإن نساؤه صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين اللواتي مات عنهن ، كانت عائشة أحبهن إليه وأعظمهن حرمة عند المسلمين . وقد ثبت في الصحيح أن الناس كانوا