أو صار منسوخًا لما شدد في الضرب بقوله: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) ، وفيما ذكر النفي، لم يذكر فيه الشدة؛ إنما ذكر فيه الجلد فحسب بقوله - عليه السلام -:"أما على ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام"؛ فجائز أن يكون الضرب كان بالتخفيف وفيه نفي، فلما شدد في الضرب ارتفع النفي، وقد جاء عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه نفى رجلا فارتد عن الإسلام ولحق بالروم؛ فقال: كفى بالنفي فتنةً، وقال: لا أنفي بعد هذا أبدًا. وكذلك روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: لا تأخذكم بهما رأفة في تخفيفها؛ فهو - واللَّه أعلم - لأنه من أعظم الإجرام في الشين.
ثم للمعتزلة تعلقٌ بظاهر قوله: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) ؛ قالوا: إن اللَّه وصف نفسه بالرحمة بقوله: (رَءُوفٌ رَحِيمٌ) ، ووصف المؤمنين بالرحمة فيما بينهم، والشدة على الكفار بقوله: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ثم نهاهم أن تأخذهم رأفة على الزانيين وقت إقامة الحد عليهم؛ دل أن الزاني قد خرج بفعله من الإيمان؛ لما ذكرنا من رفع الرأفة والرحمة عنهما.
لكن عندنا في الآية دلالة أنه ليس على ما ذهبوا إليه؛ لأن الزاني لو كان يخرج من الإيمان بفعل الزنا لكان لا يحتاج إلى أن يقول: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ) ؛ لأنهم كانوا على ما وصفهم اللَّه بالشدة على غير المؤمنين بقوله: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) ، دل أن الزنا لم يخرجه عن الإيمان؛ فنهى ألا تأخذ بهما رأفة الأيمان والدِّين في تعطيل الحد أو تخفيفه.