وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي لُزُومِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَهُ وَثُبُوتِهَا عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْقَذْفِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الزِّنَا ، فَقَالَ قَائِلُونَ:"قَدْ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ وَلَزِمَتْهُ سِمَةُ الْفِسْقِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ"وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ:"شَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ مَا لَمْ يُحَدَّ"وَهَذَا يَقْتَضِي مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْسُومٍ بِسِمَةِ الْفِسْقِ مَا لَمْ يَقَعْ بِهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَتْهُ سِمَةُ الْفِسْقِ لَمَا جَازَتْ شَهَادَتُهُ ؛ إذْ كَانَتْ سِمَةُ الْفِسْقِ مُبْطِلَةً لِشَهَادَةِ مَنْ وُسِمَ بِهَا إذَا كَانَ فِسْقُهُ مِنْ طَرِيقِ الْفِعْلِ لَا مِنْ جِهَةِ التَّدَيُّنِ وَالِاعْتِقَادِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} فَأَوْجَبَ بُطْلَانَ شَهَادَتِهِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ قَذْفِهِ ، وَفِي ذَلِكَ ضَرْبَانِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِ شَهَادَتِهِ وَبَقَاءِ حُكْمِ عَدَالَتِهِ مَا لَمْ يَقَعْ الْحَدُّ بِهِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} الْآيَةَ ، فَكَانَ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ فَإِنَّمَا حُكِمَ بِفِسْقِهِمْ مُتَرَاخِيًا عَنْ حَالِ الْقَذْفِ فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الشُّهُودِ