وأما الأمر الثاني: وهو أن المتواتر لا ينسخ بأخبار الآحاد ؛ فقد قدمنا في سورة الأنعام في الكلام على آية الأنعام المذكورة آنفاً ؛ أنه غلط فيه جمهور الأصوليين غلطاً لا شك فيه ، وأن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد إذا ثبت تأخرها عنه ، ولا منافاة بينهما أصلاً ، حتى يرجح المتواتر على الآحاد ، لأنه لا تناقض مع اختلاف زمن الدليلين ، لأن كلا منهما حق في وقته ؛ فلو قالت لك جماعة من العدول: إن أخاك المسافر لم يصل بيته إلى الآن ؛ ثم بعد ذلك بقليل من الزمن أخبرك إنسان واحد أن أخاك وصل بيته ، فإن خبر هذا الإنسان الواحد أحق بالتصديق من خبر جماعة العدول المذكورة ، لأن أخاك وقت كونهم في بيته لم يقدم ، وبعد ذهابهم بزمن قليل قدم أخوك فأخبرك ذلك الإنسان بقدومه وهو صادق. وخبره لم يعارض خبر الجماعة الآخرين لاختلاف زمنهما كما أوضحناه في المحل المذكور ؛ فالمتواتر في وقته قطعي ؛ ولكن استمرار حكمه إلى الأبد ليس بقطعي ؛ فنسخه بالآحاد إنما نفي استمرار حكمه ؛ وقد عرفت أنه ليس بقطعي كما ترى.
ومن أدلتهم على عدم التغريب حديث سهل بن سعد الساعدي عند أبي داود وقد قدمناه:"أن رجلاً أقر عنده صلى الله عليه وسلم أنه زنى بامرأة سماها فأنكرت أن تكون زنت ؛ فجلده الحد ؛ وتركها". وما رواه أبو داود أيضاً عن ابن عباس:"أن رجلاً من بكر بن ليث أقر عند النبي صلى الله عليه وسلم أنه زنى بامرأة أربع مرات ؛ وكان بكراً فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة ، وسأله صلى الله عليه وسلم البينة على المرأة إذا كذبته ، فلم يأت بها ؛ فجلده حد الفرية ثمانين جلدة"؛ قالوا ولو كان التغريب واجباً لما أخل به النبي صلى الله عليه وسلم.