وهذه الأوقاتُ تُكْشَفُ فيها العوراتُ غالباً، وتقلُّ الحاجةُ إلى تطوافِ الصِّبيانِ والخَدَمِ، وتعدمُ المشقةُ التي هي سببُ رفعِ الجُناح، وقد تقدَّم شيءٌ من الكلامِ على أحكامِ العبيدِ والصِّبيانِ.
وقد اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في هذه الآيةِ لَمّا قَلَّ عَمَلُ الناسِ بها.
روي عن ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، ويحيى بنِ يعمرَ: أنهم قالوا: ثلاثُ آياتٍ من كتاب اللهِ لا يرى أحدٌ العملَ بها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور: 58] الآية، وقوله: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} [النساء: 8] الآية، وقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] .
فقال أبو قِلابَةَ: الأمرُ فيها على النَّدْبِ والاستحبابِ.
وقال غيرُه: بل الأمرُ فيها للوجوب.
ثم اختلفَ هؤلاء:
فقال قومٌ: هي منسوخةٌ، ويحكى عن ابن المسيِّبِ.
وذهبَ أكثرُهم إلى أنها محكمةٌ.
ثم اختلفَ هؤلاءِ أيضاً:
فقال قومٌ شُرِعَ هذا الحكمُ لمعنَى، وقد زالَ ذلكَ المعنى، فزالَ هذا الحُكْمُ لِزوالِه.
سئلَ ابنُ عباس - رضيَ اللهُ تَعالى عنهما - عن هذه الآية، فقال: لا يُعْمَلُ
بها اليومَ، وذلكَ أن الناس كانوا لا سُتِرَةَ لهم، ولا حِجابَ، فربما دخلَ عليهِمُ الخدمُ والولدُ وهم في حالِ الجِماع، فأمرَ اللهُ جَل ذِكْرُهُ بالاستئذانِ في هذه الأوقاتِ المذكورةِ، ثم جاءَ اللهُ سبحانه بالسَّتْرِ، وبسطَ الرزقَ، فاتخذَ الناس الأبوابَ والسُّتورَ، فرأى الناس ذلكَ كَفاهم عنِ الاستئذانِ الذي كانوا أمروا به.
وكذا قالَ مالك لما سُئِلَ عن الآيةِ.
وفالَ أكثرُهم: حكمُ هذهِ الآيةِ باقٍ لم يُنْسَخْ، ولم يزلْ.
وقال الشعبيُّ: ليستْ هذهِ الآيةُ منسوخةَ، فقيلَ لَهُ: إن الناس لا يعملونَ بها، فقال: اللهُ المُستعانُ.
* فإن قلتم: فالصبي ليسَ منْ أهلِ التكليفِ، فَلِمَ كَلَّفَهُ اللهُ سبحانَهُ الامتناعَ، وألزمَهُ الاستئذان؟
قلنا: التكليفُ والخطابُ مصادمٌ للأولياءِ، لا للصبيانِ والخَدَمِ، فيجبُ على الولي تأديبُ الصبيّ كما بيَّنَهُ اللهُ سبحانهٌ هنا، وبيَّنَهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ حيثُ قالَ:"مُرُوهُم بالصَّلاةِ لسَبعٍ، واضرِبوهُم على تَركِها لِعَشْرٍ"، فهو
داخلٌ في خطابِ التأديبِ، خارجٌ من خطابِ التكليفِ والتأثيمِ.