وقالَتْ طائفةٌ: لا يجبُ على الساداتِ للمكاتَبِ شَيْءٌ، فمنْ هؤلاءِ من حملَ الأمرَ على الاستحبابِ، ومنهم مَنْ جعلَ الخِطابَ لِذَوي الأموالِ غيرِ السادات، وحملَ الأمرَ على الوجُوب في إيتائهم من الصدقاتِ.
وهذا التأويلُ بعيدٌ؛ لأن الصحابةَ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهم - ، وهم أعرفُ بموارِدِ التأويلُ وَضَعوا عنِ المكاتَبِ، فكاتَبَ ابنُ عمرَ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهما - عَبْداً بخمسةٍ وثلاثين ألفاً، ووضعَ عنهُ خمسةَ آلاف، ووَضَع عمرُ
وابنُ عباسٍ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهما - عن المكاتَب.
* إذا تَمَّ هذا، فظاهرُ إطلاقِ الخطاب يقتضي أنَّ كتابةَ العَبْدِ المراهِق إذا كان فيهِ خيرٌ جائزةٌ، وبهذا قالَ أبو حنيفةَ.
واشترطَ الشافعيُّ البُلوغَ كسائِرِ العُقودِ.
وعن مالكٌ قَوْلانِ كالمَذْهبين.
(من أحكام الاستئذان)
213 - (13) قوله عَزَّ وجَلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: 58] .
أقول: لَمَّا لطفَ اللهُ سبحانه بالمؤمنين، ورفعَ عنهم الحَرَجَ والجُناح، أباحَ لهم ولِمَنْ كان في تأديبهم من الصِّبيان والمَماليك أن يَلِجوا عليهم من غيرِ استئذانٍ؛ بخلافِ الأحرارِ البالغينِ؛ لِمَشَقَّةِ الاحترازِ منهم؛ لكثرةِ طوافِهم، ولم يحظرْ عليهم إلا في ثلاثةِ أوقاتٍ كما بَيَّنَها اللهُ تعالى، وأشار إلى علتها بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} [النور: 58] الآية.