ثم بيَنَ اللهُ سبحانَهُ أحكامهم إذا بَلَغُوا الحُلُمَ، وأَنَّهم كالبالغين فيما تقدَّمَ منَ الأحكام.
214 - (14) قوله عَز وجَلَّ: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 60] .
* اتفقَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ على إِحكام هذهِ الآيةِ، حتى رُوي عنِ ابنِ عباسٍ أَنَّها ناسخةٌ للآيةِ الأخرى، والذي يقتضيهِ النظرُ أنها غيرُ ناسخةٍ إلا أن يَثْبُتَ بتوقيفٍ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وقد قَدمتُ كيفيةَ الجَمع بينهما، وأن حكمَ هذه مختصٌّ بالقواعِد، مُخْتَصٌّ بحالةِ الاختيارِ، وأن تلكَ الآيةَ مختصَّةٌ بالشوابِّ، مختصَّةٌ بحالةِ الحاجةِ والاضْطِرار.
وكذا ما رَوَتْهُ عائشةُ - رضيَ اللهُ تَعالى عنها: أَنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ دخلَتْ على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعليها ثيابٌ رِقاقٌ، فأعرضَ عنها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقال:"يا أَسْمُاء! إنَّ المرأةَ إذا بلغَتِ المَحيضَ لَمْ يَصلُح أَنْ يُرَى مِنْها إلَّا هذا وهذا"، وأشارَ إلى وجهِهِ وكَفيْه، مختصّ بحالةِ الحاجةِ إلى رُؤْيتها.
فإنْ قلتَ: فهل نجدُ دليلاً على التفرقِة بينَ الشابَّة والعَجوزِ مُوافِقاً لهذهِ الآيةِ من كتابٍ أو سنَّةٍ؟
قلتُ: نعم: أما دلالةُ الكتابِ، فإن الله سبحانَهُ لَمَّا أَحَل للنساءِ الشواب أن يُبْدِيْنَ زينتهُنَّ لغيرِ ذَوي الإِرْبَةِ منَ الرجال؛ كالشيخِ المُسِن، والمَعتوهِ، والمُغَفَّلِ الذي قعدَ عن النكاحِ وَيئسَ منه، فكذلكَ العجوزُ مثلُ الشيوخِ في العَكْس، كما ذكرَ اللهُ سبحانه حُكْمَهُ هنا.
وأما دلالةُ السنَّةِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لما أمرَ فاطمةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تعتدَّ عندَ أُمَّ شَريكٍ، وكانَتْ من القَواعِدِ، قالَ لها:"تلْكَ امرأةٌ يَغْشاها أَصحابي"، فأمرَها أن تعتدَّ عندَ ابنِ أُمّ مكتومٍ، ففرَّقَ بينَ العَجوزِ والشابةِ، ولم يجعلْ عليها جُناحاً في غِشْيانِ أصحابِه إيّاها، ولو كانَتْ شابَّهً كفاطِمَةَ، لَمَا غَشِيَها أصحابُه، واللهُ أعلمُ.