* وقد ذكرتُ فيما مضى أنَّ الإحْصانَ يقعُ على مَعانٍ: على الحُرِّيَّةِ، وعلى العِفَّةِ، وعلى الإسلام، وعلى النكاح.
وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أَنَّ النكاحَ غيرُ مُرادٍ بهذهِ الآية، لأنه يلزمُ منه أَلَّا يُجْلَدَ مَنْ قَذَفَ مَنْ لَمْ تنكحْ، ولا قائلَ بذلك.
وعلى أن العفةَ مُرادَةٌ؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 4] ، ومفهومُهُ أن مَنْ قامَتْ عليهِ الشهادةُ أن لا حَدَّ على قاذفِه، ولقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ} [النور: 23] .
واختلفوا في الحريةِ والإسلامِ، هل هُما مُرادان، أو لا؟
فذهبَ الجمهورُ إلى أنهما مُرادان؛ لوقوعِ الإحصانِ عليهِما، وبهذا أخذَ الشافعيُّ - رحمه الله تعالى - .
وذهبَ قومٌ إلى أَنَّ قاذفَ الأَمَة والكافرةِ غيرُ مَجْلودِ، وبهِ قالَ مالكٌ، وخَصَّصوا الإحصانَ بالعِفَّة.
واستدلَّ الجُمهورُ بما رُوي عنِ ابنِ عُمَرَ - رضيَ اللهُ تعالى عنهما -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"مَنْ أَشْرَكَ باللهِ، فَلَيْسَ بمُحْصَنٍ"، وبأن العبدَ إذا قذفَ المُحْصَنَ لا يَجِبُ عليهِ الحَدُّ كامِلاً؛ لنقَصانهِ، فوجبَ أن يسقطَ الحَدُّ عن قاذفِه؛ كقاذف الصبيِّ.
فإن قلتم: فهل نجدُ في القرآنِ دليلاً على أنهما غيرُ مراديْنِ؟
قلت: نعمِ، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} ، فوَصَفَهُنَّ بثلاثةِ أوصافٍ: الإيمانِ، والغَفْلَةِ عن الفاحِشَةِ، والإحْصانِ الذي هو الحريةُ، فإطلاقهُ هنا محمولٌ على هذا التقييد.
* واتفقوا - فيما أَحْسِبُ - على اشتراطِ بُلوغِ المُحْصَنِ؛ لنقصانِ الصبيِّ، لكن اعتبرَ مالكٌ في سِنِّ المرأة أن تطيق الوطْءَ.
* وأوجبَ اللهُ سبحانَه هذهِ العُقوبَةَ على كُلِّ مَنْ يَصْلُحُ للخِطاب،
ويدخُلُ في التكليف، وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلم، فلم يوجبوا الحَدَّ على الصَّبيِّ.
* واختلفوا في تَخْصيصِ هذا العُموم في تَنْصيفِ حَدِّ الأمة بقياسِه على تَنْصيفِ حَدِّ الزنى، فذهبَ جمهورُ فقهاء الأمصارِ إلى تَنْصيفِهِ، وأنه يُجْلَدُ في القَذْفِ أَرْبعين، ورُويَ عن الخُلفاءِ الأربعةِ، وعنِ ابنِ عباس - رضي اللهُ تعالى عنهم - .