فذهبَ قومٌ إلى حملِ الأمرِ على إطلاقِه، فأقاموا الحَدَّ في جَميعِ الأحوال؛ لأنه فريضةٌ واجبةٌ، فلا تُؤَخَّرُ عن وَقْتِها، ولأنَّ عمرَ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - أقام الحَدَّ على قُدامَةَ وهو مريضٌ، ولأنه أبعدُ منَ الرأفَةِ بالزَّاني، واللهُ تَعالى يقول: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2] .
وبه قالَ أحمدُ وإسحاقُ.
وذهبَ الجمهورُ إلى تقييدِ هذا الإطلاقِ بالمعنى، فلا يُقامُ عليهِ إلا عندَ اعتدالِ الحالِ والهواءِ؛ لما فيه من خوفِ الهَلاكِ عليه، ولشهادَةِ الأُصولِ بتأخيرِ الفَرائِضِ عندَ خَوْفِ الهلاكِ.
* ثم أمرَ اللهُ سبحانَه بأنْ يشهدَ عَذابَهُما طائِفَةٌ منَ المؤمنين، وهذا الأمرُ عندَ أهلِ العلمِ للاسْتِحباب، وإنَّما اختلفوا في أَقَلِّ الطَّائِفَةِ، فقيلَ: أربعةٌ، وقيل: ثلاثةٌ، وقيل: اثنان.
202 - (2) قوله عَزَّ وجَلَّ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] .
أقول: مثلُ هذهِ الآيةِ في الحَصْرِ ما روى أبو هُريرةَ - رضيَ اللهُ تعالى عنه -: أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يَنْكِح الزَّاني المَجْلودُ إلَّا مِثْلَهُ".
* وقد اختلفَ الناسُ في هذهِ؛ لمخالفةِ ظاهِرِها القواعدَ المتقررَةَ في الشريعةِ المُجْمَعَ عليها:
فذهبَ قومٌ إلى الأَخْذ بظاهرِها وظاهرِ الحديثِ، فَحَرَّموا نِكاحَ الزانيةِ المجلودةِ إلَّا على مِثْلِها زانٍ مَجْلودٍ، وحَرَّموا نِكاحَ الزاني إلا على زانيةٍ، ورويَ عنِ ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنه -: أنه قال في الآية: هو حكمٌ
بينَهُما. حتى قالَ قومٌ: طَرَآنُ الزنى يَفْسَخُ النكاحَ.
والأخذُ بظاهرِ الآيةِ ضعيفٌ؛ للإجماعِ على أنه لا يجوزُ للمسلمةِ الزانيةِ أن تنكحَ مُشْرِكاً، وأنه لا يجوزُ للزاني المسلمِ أن ينكحَ مشركةً غيرَ كتابية، ولِما رُوي: أن رجلاً قال: يا رسولَ الله! إن زوجتي لا تَرُدُّ يدَ لامِسٍ، فقال لهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"طَلِّقْها"، فقال له: إني أريدُها، فقالَ له:"فَأَمْسِكْها".
ثم اختلفَ الآخرونَ:
فمنهُم مَنِ ادَّعى أنها منسوخةٌ بقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] ، فدخلَتِ الزانيةُ في أيامى المُسلِمين.