{مّنَ الجن والإنس} وتقديمُ الجنِّ لأنهما أعرف من الإنس في الاتصاف بما نحن فيه من الصفات وأكثرُ عدداً وأقدمُ خلقاً، والمرادُ بهم الذين حقت عليهم الكلمةُ الأزليةُ بالشقاوة ولكن لا بطريق الجبرِ من غير أنْ يكون مِنْ قِبَلهم ما يؤدي إلى ذلك بل لعلمه تعالى بأنهم لا يصرفون اختيارَهم نحوَ الحقِّ أبداً بل يُصِرُّون على الباطل من غير صارف يلويهم، ولا عاطفٍ يَثنيهم من الآيات والنذر، فبهذا الاعتبارِ جُعل خلقهم مغيا بها كما أن جميعَ الفريقين باعتبار استعدادِهم الكامِل الفطري للعبادة وتمكنِهم التامِّ منها جعل خلقهم مغيا بها كما نطق به قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} .
{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) }
والتعبيرُ عنه صلى الله عليه وسلم بصاحبهم للإيذان بأن طولَ مصاحبتهم له صلى الله عليه وسلم مما يطلعهم على نزاهته صلى الله عليه وسلم عن شائبة ما ذكر ففيه تأكيدٌ للنكير وتشديدٌ له والتعرضُ لنفي الجنونِ عنه صلى الله عليه وسلم مع وضوح استحالةِ ثبوتِه له صلى الله عليه وسلم لما أن التكلمَ بما هو خارق لقضية العقولِ والعادات لا يصدُر إلا عمن به مس من الجنونِ كيفما اتَّفق من غيرِ أن يكون له أصلٌ ومعنى أو عمن له تأييد إلهي يخبر به عن الأمور الغيبية وإذ ليس به صلى الله عليه وسلم شائبةُ الأولِ تعين أنه صلى الله عليه وسلم مؤيدٌ من عندِ الله تعالى.
{أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ... (195) }