«فَإِنْ قِيلَ» : إن ترك الوعظِ معصية، والنَّهي عنه أيضاً معصية؛ فوجب دخول هؤلاء التَّاركين للوعظ النَّاهين عنه تحت قوله: {وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} ؟
فالجَوابُ: هذا غير لازمٍ؛ لأنَّ النَّهي عن المنكر إنَّمَا يجب على الكفاية، ولو قام به البعضص سقط عن الباقين.
وروي عن ابن عبَّاس أنه قال: أسمعُ الله يقول: {أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السواء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} ، فلا أدري ما فعلت الفرقة السَّاكتة؟
قال عكرمةُ: قلت له: جعلني اللَّهُ فداك، ألا تراهم قد أنكروا، وكرهوا ما هم عليه وقالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ} ، وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل: أهلكتهم، فأعجبه قولي ورضي به، وأمر لي ببردين فكسانيهما؛ وقال: نَجتِ السَّاكتةُ، وهذا قول يمان بن رباب، والحسن، وابن زيد.
{فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) }
قال ابنُ عباسٍ «أبَوْا أن يرجعوا عن المعصية»
والعُتو: هو الإباء والعصيان.
«فَإِنْ قِيلَ» : إذا عتوا عمَّا نُهُوا عنه فقد أطاعوا؛ لأنَّهُم أبوا عمَّا نُهُوا عنه، وليس المراد ذلك؟
فالجَوابُ: ليس المراد أنهم أبوا عن النهي، بل أبوا عن امثتال ما أمروا به.
وقوله: {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} .
قال بعضهم ليس المراد منه القول؛ بل المراد منه أنه تعالى فعل ذلك.
قال: وفيه دلالة على أن قوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] هو بمعنى الفعل لا الكلام.
وقال الزجاج أمِرُوا بأن يكُونُوا كذلك بقول سمع، فيكون أبلغ.
قال ابنُ الخطيب: وحمل هذا الكلام على الأمر بعيد؛ لأنَّ المأمور بالفعل يجبُ أن يكون قادراً عليه، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة.