وثالثها: قوله عليه السلامُ كان يريدُ إبطال ما أتوا به من السحر وذلك لا يمكن إلا بتقديمهم فأذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليمكنه الإقدام على إبطاله مثل من يريد سماع شبهة ملحد ليجيب عنها ويكشف عن ضعفها وسقوطها فيقول له: هات وقل واذكرها، وبالغ في تقريرها، ومراده من ذلك أنه إذا أجاب عنها بعد هذه المبالغة فإنَّهُ يظهر لكل أحدٍ ضعفها وسقوطها، فكذا هاهنا.
وقال الفرَّاء: في الكلام حذفٌ، والمعنى: قال لهم موسى: إنكم لن تغلبوا ربَّكم، ولن تبطلوا آياته، وهذا من معجزات القرآن الذي لا يأتي مثله في كلامِ الناس ولا يقدرون عليه يأتي اللفظ اليسير بجميع المعاني الكثيرة.
وإنما أمرهم تعجيزاً لهم وقطعاً لشبهتهم واستبطالهم، ولئلا يقولوا: لو تركنا نَفْعَلُ لَفَعَلْنَا بمعانٍ كثيرة.
قوله: {فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا أَعْيُنَ الناس}
قال القاضي: «لو كان السِّحْرُ حقّاً لكانوا قد سحروا قلوبهم، لا أعينهم، فثبتَ أنَّ المُرَاد أنَّهم تخيَّلُوا أحوالاً عجيبة مع أن الأمر في الحقيقة ما كان على وفقِ ما تَخَيَّلُوهُ» .
وقال الواحديُّ: «بل المرادُ: سَحَرَوا أعْيُنَ النَّاسِ، أي قلبوها عن صحَّةِ إدراكها، بسبب تلك التَّمْوِيهاتِ» .
وقيل: إنهم أتوا بالحِبالِ والعصيِّ ولطَّخوا تلك الحِبالَ بالزِّئْبَقِ وجعلوا الزِّئبقَ في دواخل تلك العصي، فلمَّا أثر تَسْخين الشَّمْسِ فيها تحركت والتوى بعضها على بعض، وكانت كثيرةً جداً فتخيَّل النَّاسُ أنَّها تتحرَّك وتلتوي باختيارها وقدرتها.
قوله تعالى: {واسترهبوهم} يجوز أن يكون استفعلَ فيه بمعنى أفعل أي: أرهبوهم، وهو قريب من قولهم: قرّ واستقرّ، وعظّم واستَعْظَمَ وهذا رأي المبرِّدِ.
ويجوز أن تكون السين على بابها، أي استدعوا رهبة النَّاس منهم، وهو رأي الزجاج.
روي أنَّهم بَعثُوا جماعة يُنَادُونَ عند إلْقاءِ ذلك: أيها الناس احْذَرُوا. وروي عن ابن عباس أنَّهُ خيل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم حيَّاتٌ مثل عصا موسى، فأوحى الله - عزَّ وجلَّ - إليه {أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} .