«فإنْ قلتَ» : كيف جمع بالواو وبالنون لمن لا يعقل وهو جمع من يعقل من الناس؟
قلت: لما اعتقد عابدوا الأصنام أنها تعقل وتميز ورد هذا الجمع بناء على ما يعقدونه ويتصورونه.
وقوله تعالى: (وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً) يعني أن الأصنام لا تقدر على نصر من أطاعها وعبدها ولا تضر من عصاها، والنصر: المعونة على الأعداء. والمعنى أن المعبود الذي تجب عبادته يكون قادرا على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فكيف يليق بالعاقل أن يعبدها ثم قال تعالى: وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) يعني ولا يقدرون على أن يدفعوا عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرها قدر عليه وهي لا تقدر على دفعه عنها.
قوله عز وجل: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ(205)
وإنما خص هذين الوقتين بالذكر لأن الإنسان يقوم بالغداة من النوم الذي هو أخو الموت فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر ليكون أول أعماله ذكر الله عز وجل، وأما وقت الآصال وهو آخر النهار فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت فيستحب له أن يستقبله بالذكر لأنها حالة تشبه الموت، ولعله لا يقوم من تلك النومة، فيكون موته على ذكر الله عز وجل، وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى (وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) يعني عما يقربك إلى الله عز وجل.
وقيل إن أعمال العبد تصعد أول النهار وآخره فيصعد عمل الليل عند صلاة الفجر ويصعد عمل النهار بعد العصر إلى المغرب فاستحب له الذكر في هذين الوقتين ليكون ابتداء عمله بالذكر واختتامه بالذكر.
وقيل: لما كانت الصلاة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر مكروهة استحب للعبد أن يذكر الله في هذين الوقتين ليكون في جميع أوقاته مشتغلا بما يقربه إلى الله عز وجل من صلاة أو ذكر.