وقيل: اختار موسى عليه السّلام من قومه ستّين شيخا، لم يجد من الشّيوخ المرضيّين غيرهم، فأمره الله بأن يختار من كلّ سبط شابّين، فاختار فأصبحوا شيوخا، ثمّ أراد موسى أن يخلف منهم اثنين ويذهب بالسّبعين، فتشاجروا في ذلك، فقال موسى: من قعد منكم كان له أجر من انطلق معي، فقعد يوشع بن نون وكالوب، وذهب موسى إلى الجبل، فلمّا انتهى إلى سفحه تركهم هناك، وصعد موسى الجبل، وكلّمه الله تكليما، وشاهد ما شاهد، ثمّ رجع إليهم كالشّمس الطّالعة فقالوا: نحبّ أن نسمع كلام الله كما سمعته، فأسمعهم الله كلامه،
فقالوا: نحبّ أن نرى الله جهرة كما رأيته، قال: إنّي لم أر الله جهرة، ولم تسكن قلوبهم إلى قوله فأخذتهم الرّجفة، فقال موسى: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ} فإنّك قادر على ما تشاء ولك السّبيل والحجّة، ثمّ قال: {أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ} كما قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها} [البقرة:30] ، وقال نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم: (أتعذّبهم وأنا فيهم؟ أتعذّبهم وهم يستغفرون؟) .
وإنّما علم موسى عليه السّلام فعل السّفهاء بقوله تعالى: {فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ} [طه:85] .
ثمّ أثنى عليه فقال: {إِنْ هِيَ إِلاّ} فِتْنَتُكَ: أي: ما هي إلاّ ابتلاؤك وامتحانك، فإنّه لا طير إلاّ طيرك ولا إله غيرك.
{تُضِلُّ بِها:} بالفتنة {مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ:} أي: بها وبغيرها.
156 - {وَاكْتُبْ:} «وأوجب» .
{هُدْنا إِلَيْكَ:} «تبنا إليك» ، وقال ابن عرفة: سكنّا إلى أمرك، ومنه الهوادة. قيل:
ومن هذا اللّفظ اشتقاق لقب اليهود، وقيل: بل اللّفظة من لقبهم.
{عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ:} أي: يسع كلّ شيء إن شئت.
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ:} بالآلاء والنّعماء.
{فَسَأَكْتُبُها:} أي: الحسنة في الدارين والرحمة، أو الآخرة نفسها للمذكورين
خالصة يوم القيامة.
{بِآياتِنا:} كلّها.
157 - {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ:} يحتمل أنّها نزلت على موسى عليه السّلام، ويحتمل أنّها نزلت على نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم مستأنفة ليقطع دعاوى اليهود والنّصارى عن الإيمان بالآيات.
وإنّما وصف بالأمّيّ لأنّه لم يكن يتلو قبله من كتاب ولا يخطّه بيمينه، ولأنّه كان من أمّ القرى، ولأنّه لم يكن من نسل أهل الكتاب.