113 - {وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ:} قيل: إنّ فرعون كان عنده رجلان مجوسيّان ساحران من أهل نينوى، وكان قد دفع إليهما رجالا من قومه يعلّمانهم السّحر، فمهر في ذلك منهم سبعون رجلا وبلغوا النّهاية، وكان فرعون قد شحن بهم مدائنه حوالي مصر ورتّبهم فيها، وأجرى عليهم الجرايات ليكونوا ميسه وليزيّنوا أمره إلى العامّة بالتّمويهات، فحضروا عنده لمّا استحضرهم، واستشرطوه لئن غلبوه ليعطيهم الأموال، وإنّما استشرطوه بمشهد النّاس لما علموا من خبثه أنّه لا يعرف لهم حقوقهم من غير ضمان، وعن عكرمة أنّهم كانوا ثلاثة وسبعين، وعن ابن إسحاق أنّهم كانوا خمسة عشر ألف رجل.
114 - {قالَ نَعَمْ:} أجابهم إلى سؤلهم، ووعد لهم التّقريب، ودفعه الإقرار لشدّة الاضطرار وخوف الفضيحة.
115 - {إِمّا:} للشّكّ والتّخيير، ولم يعقب كلاما مستقلا بنفسه بخلاف (أو) . واعلم أنّ { (إِمّا) } ربّما وصلت بالفعلين ب (أن) كههنا، وقوله: {إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ [فِيهِمْ حُسْناً] } [الكهف:86] ، وربّما وصلت بالفعلين بغير (أن) كقوله: إِمّا}يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التّوبة:106] ، فإن وصلت ب (أن) حلّ الفعلان محلّ المصدر وكان فيهما معنى الأمر على سبيل التّخيير، وإن وصلت بغير (أن) كانا خبرين، والواجب من
الخبرين أحدهما لا بعينه، وفائدة الآخر الإيهام واللبس، والتّقدير ههنا: إمّا إلقاء منك وإمّا تسليم لنا لنلقي.
وإنّما خيّروا موسى لجرأتهم ولاستواء الأمرين عندهم ولقصدهم قطع عذر موسى عليه السّلام من كلّ وجه.
116 - {قالَ أَلْقُوا:} سلّم لهم الابتداء ليتمكّنوا من سحرهم على طمأنينة وجرأة وعقل، فيكون إبطاله بعد إتمامه أدلّ على الحقّ وأوقع في القلوب، ولو ابتدأ موسى لما تمكّنوا من سحرهم دهشا وحيرة.
{وَاسْتَرْهَبُوهُمْ:} «أرهبوهم» واستدعوا رهبتهم.
وإنّما وصف سحرهم بالعظم؛ لأنّهم حرّكوا الحبال والعصيّ في الرّمضاء بالحيل، وشبّهوا الجماد بالحيوان بفعل أنفسهم في مقابلة الإعجاز من غير استعانة بالأرواح الخبيثة من الشّياطين مستبدّين، فكان يصغر بجنبه كلّ سحر.