{وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) } :
قوله عزَّ وجلَّ {وَلَكِنْ ذِكْرَى} محل {ذِكْرَى} إما النصب على المصدر بمعنى: وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء مما يحاسبون عليه من ذنوبهم، ولكن عليهم أن يذكروهم ذكري، أي: تذكيرًا، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} : أَيْ لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم.
أو الرفع على الابتداء والخبر محذوف، أي: ولكن عليهم ذكري، أو بالعكس، أي: هذا ذكرى.
الزمخشري: بعد أن ذكر بعض ما ذكرت: ولا يجوز أن يكون عطفًا على محل {مِنْ شَيْءٍ} ، كقولك: ما في الدار من أحد ولكن زيد، لأنَّ قوله: {مِنْ حِسَابِهِمْ} كما يأبى ذلك.
{وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) } :
قوله عزَّ وجل: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ} الضمير في {بِهِ} للقرآن، ومحل {أَنْ} النصب لكونه مفعولًا من أجله، أي: مخافة أن تبسل، أي: تسلم إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء عملها، يقال: أَبْسَلْتُ فلانًا، إذا أسلمتَه للهلكة.
قال عوف بن الأحوص:
202 -وإبسالي بَنيَّ بغيرِ جُرْمٍ ... بَعَونَاهُ ولا بدَمٍ مُرَاقِ
البَعْوُ: الجناية والجرم، قيل: وكان حَمَل عن عَتِيٍّ لبني قشير دم ابني السَّجْفِيَّة، فقالوا: لا نرضى بك، فرهنهم بنيه طلبًا للصلح.
وأصلُ الإبسال: المنع، ومنه: هذا عليك بَسْلٌ، أي: حرام محظور، ومنه قول الشاعر:
203 -بَكَرَتْ تَلُومُكَ بعدَ وَهْنٍ في النَّدَى ... بسْلٌ عليكَ مَلامَتِي وعِتَابِي
والباسل: الشجاع لامتناعه مِنْ قَرْنِهِ، فمعنى (أُبسلوا) على هذا: مُنعوا الجَنَّة ونعيمها، وحُرِموا غفران ربهم ورحمته.
وقوله: {بِمَا كَسَبَتْ} (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية.