قال أبو إسحاق: من قرأ (يقص) فمعناه أن جميع ما أنبأ به وأمر به فهو من أقاصيص الحق، انتهى كلامه.
فإن قلت: ما محل (يقضي) أو (يقص) من الإِعراب؟ قلت: النصب على الحال، وذو الحال {لِلَّهِ} ، والعامل الاستقرار، ويحتمل أن يكون مستأنفًا.
{قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) } :
قوله عز وجلَّ: {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} محل (أن) الرفع بإضمار فعل؛ لأنَّ (لو) تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط، وفيها أيضًا طَرَفٌ من التمني.
و {مَا} بمعنى الذي في موضع نصب لكونه اسم {أَنَّ} ، و {عِندِي} الخبر.
{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} ارتفع {مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} بالابتداء، والظرف الخبر، أو بالظرف، وفيه وجهان:
أحدهما: جمع مِفْتَحٍ كمنبر ومنابر، ويحتمل أن يكون جمع مفتاح، وكان حقه أن يجمع على مفاتيح بالياء، إلّا أنهم حذفوها اجتزاء عنها بالكسرة، كما قالوا: مَحارب في جمع محراب.
وبالياء قرأ بعض القراء: (مفاتيح الغيب) .
والثاني: جمع مَفْتَحٍ بفتح الميم، وهو المخزن، والمخزن: ما يُخزن فيه الشيء، يعضد هذا الوجه قول الحسن وغيره: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} أي: خزائن الغيب.
أبو إسحاق: أي عنده الوُصْلَةُ إلى علم الغيب.
وقوله: {لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا من المستكن في الظرف على رأي صاحب الكتاب - رَحِمَهُ اللهُ -، أو من {مَفَاتِحُ} على رأي أبي الحسن.
وقوله: {مِنْ وَرَقَةٍ} محلها الرفع على الفاعلية، و {مِنْ} مزيدة لاستغراق الجنس.
وقوله: {وَلَا حَبَّةٍ} ، {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ} عطف على {وَرَقَةٍ} وحكمهن حكمها، كأنه قيل: وما يسقط من شيء من هذه الأشياء إلّا يعلمه.