وأخرج ابن ماجه والترمذي وصحة, من حديث عَمْرو بن الأحوص, أنه شهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: ( استوصوا في النساء خيراً . فإنما هنّ عندكم عوان . ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك . إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينّةٍ . فإن فعلن , فاهجروهنَّ في المضاجع , واضربوهنّ ضرباً غير مبرّح , فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ) . وأخرج أبو داود والنسائيّ , من حديث ابن عباس قال: ( جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمرأتي لا تمنع يد لامس, قال: غرّبها, قال: أخاف أن تتبعها نفسي . قال: فاستمتع بها ) . قال المنذري: ورجال إسناده محتج بهم في الصحيحين .
قال ابن القيّم: عورض بهذا الحديث المتشابه , الأحاديث المحكمة الصريحة في المنع من تجويز البغايا . واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه, فقالت طائفة: المراد بـ (اللامس) ملتمس الصدقة لا ملتمس الفاحشة . وقالت طائفة: بل هذا في الدوام غير مؤثر . وإنما المانع ورود العقد على الزانية فهذا هو الحرام , وقالت طائفة: بل هذا من التزام أخف المفسدتين لدفع أعلاهما . فإنه لما أُمِرَ بمفارقتها خاف من أن لا يصبر عنها فيواقعها حراماً, فأمره حينئذ بإمساكها . إذ مواقعتها بعقد النكاح أقل فساداً من مواقعتها بالسفاح . وقالت طائفة: بل الحديث ضعيف لا يثبت . وقالت طائفة: ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية . وإنما فيه أنها لا تمنع ممن يمسّها أو يضع يده عليها أو نحو ذلك, فهي تعطي الليان لذلك . ولا يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى . ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها الداعي إلى الفاحشة . فأَمَرَهُ بفراقها, تركاً لما يريبه إلى ما لا يريبه . فلما أخبره بأن نفسه تتبعها, وأنه لا صبر له عنها, رأى مصلحة إمساكها أرجح المسالك . والله تعالى أعلم . وتتمة البحث في ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في سورة النور .
فائدة: