فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 370

فالبكاء الذي تدمع فيه العين ولا شق ولا لطم معه، لا يؤاخذ صاحبه به، وقد جاءت في ذلك نصوص كثيرة تذكرها بمشيئة الله في مبحث:"ما يباح لأهل الميت فعله"وسيأتي ...

وقد نقل النووي - رحمه الله-:

الإجماع على أن المراد بالبكاء في الحديث: هو البكاء بصوت ونياحة، فقال - رحمه الله-: وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا: البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين.

ونأتي هنا إلى الإشكال وفيه أن عائشة ـ رضي الله عنهاـ أنكرت أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قال هذا: أي:"إنما يعذب الميت ببكاء الحي عليه"

ففي صحيح البخاري أن ابن عباس - رضي الله عنهما- ذكر لعائشة ما قاله عمر - رضي الله عنه - بعد وفاته، فقالت:"رحم اللهُ عمرَ، والله ما حَدَّثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه، حسبكم القرآن: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (فاطر:18) "

فكيف الرد على هذا الإشكال؟ وكيف يمكن الجمع بين حديث عائشة - رضي الله عنها- وباقي الأحاديث السابقة والتي فيها:"أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"؟

أولًا: وقبل الجمع بين حديث عمر وحديث عائشة - رضي الله عنهما - لابد أن نعلم أن إنكار عائشة لكلام عمر - رضي الله عنه - لا يعني ذلك صحة ما ذهبت إليه عائشة - رضي الله عنها -، فكونها أنها لم تسمع، لا يعني أن هذا لم يحدث، فالمثبت مقدَّم على النافي لأنه عنده مزيد علم.

قال القرطبي- رحمه الله - كما قال في فتح الباري (3/ 154) :

إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة، أو النسيان، أو على أنه سمع بعضًا ولم يسمع بعضًا فهذا كله بعيد؛ لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح.

إذًا: كيف نجمع بين الأدلة في كون الميت يعذب ببكاء أهله، وبين قوله تعالى:

{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}

اختلف العلماء في الجواب عن ذلك إلى ثمانية أقوال أقربها إلى الصواب هي:

1 -أنهم يبكون عليه وإنه ليعذب في قبره.

2 -أنه يعذب بتوبيخ الملائكة له بسبب تعديد شمائله ومحاسن أفعاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت