كما جاء في صحيح البخاري عن النعمان بن بشير قال:
"أُغمي على عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - فجعلت أخته عمرة تبكي [وتقول] : واجبلاه، واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي، أنت كذلك؟! فلما مات لم تبكِ عليه"
بل إن هذا المعني ورد صريحًا في الحديث الذي أخرجه الترمذي بسند حسن من حديث أبي موسي الأشعري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"ما من ميت يموت فيقوم باكيه، فيقول: واجبلاه، واسيِّداه ... أو نحو ذلك، إلا وُكِّلَ به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت؟!"
ـ اللهز: هو الدفع بجمع اليد في الصدر (أو اللهزمة والرقبة) .
ولعل هذا ما كان يقصده عمر؛ ولذا فإنه نهى أخاه صهيب عن النواح والتعديد عليه.
قال الحافظ في الفتح ضمن التأويلات التي تأولها فقال:
وهذه الأحاديث تدل على أن العذاب هو توبيخ الملائكة.
3 -إن معني يعذب: أي يتألم بسماعه بكاء أهله عليه، ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، وليس يوم القيامة، وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره، ونصره ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كما في مجموع الفتاوى (24/ 374) :
وأما تعذيب الميت، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل:"إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه"بل قال:"يعذب"والعذاب أعم من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب ذلك عقابًا له على ذلك السبب، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كما في مسند الإمام أحمد:
"السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه"فسمي السفر عذابًا وليس عقابًا.
(صحيح الجامع:3686)
والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها مثل: الأصوات الهائلة، والروائح الخبيثة، والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا، وشَمُّ هذا، ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملًا له عوقب عليه.
فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة، وإن لم تكن النياحة عملًا له يعاقب عليه؟!.
4 ـ إن حديث عمر محمول على مَن أوصى بالنواح عليه، أو كان يعلم أنهم سيفعلون هذا من بعده ولم ينهاهم، أو أن النواح من سنته، وهذا هو قول الجمهور، وهو الراجح إن شاء الله.
أهـ باختصار من فتح الباري (3/ 150)