ملاحظة:
يستحب لمن اتَّبع الجنازة إلى القبر أن يقف بعد الدفن فيستغفر للميت، ويسأل له التثبيت، ويدعو له بالرحمة، للحديث الذي أخرجه أبو داود:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دفن ميتًا وقف وقال: استغفروا له، واسألوا الله له التثبيت، فإنه الآن يُسْأل"
جـ: والجواب إن هذا الفضل في الحديث المتقدم - في اتِّبَاع الجنائز- إنما هو للرجال دون النساء، لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - لهن عن اتِّبَاعها.
فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم عطية - رضي الله عنها - قالت:
"كنا نُنهَى ـ وفي رواية:"نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اتِّبَاع الجنائز، ولم يُعْزم علينا""
وقد ذهب شيخ الإسلام إلى أن النهي في هذا الحديث هو نهي تحريم.
فقال ـ رحمه الله ـ كما في مجموع الفتاوى (24/ 355) :
قد يكون مرادها: لم يؤكد النهي، وهذا لا ينفي التحريم، وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا في ظنِّ غيره. أهـ
لكن ذهب جمهور العلماء إلي أن النهي في هذا الحديث على الكراهة لا على التحريم لقولها:
"ولم يعُزم علينا"، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (3/ 145) : وبه قال جمهور أهل العلم.
قال القرطبي - رحمه الله - في المفهم:
ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم، ومال مالك - رحمه الله - إلي الجواز، وهو قول أهل المدينة، ويدل على الجواز.
ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة - رضي الله عنه:
"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في جنازة، فرأى عمرُ امرأةً فصاح بها، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: دعها يا عمر"
لكن إن خرجت فلتخرج بما لا يخالف الشريعة: من تبرجٍ أو نواحٍ أو تمس طيبًا.
قال الحافظ في الفتح:
"ولم يعزم علينا"أي لم يؤكد علينا في المنع كما تأكد في غيره من المنهيات، فكأنها قالت: كره لنا اتِّبَاع الجنائز من غير تحريم.