فلم يسم الأشياء باسمها وكان قد أنس من آدم الميل للمكث والإقامة في الجنة فدخل إليه من المدخل الذي يحبه وصور له الأشياء علي غير حقيقتها فالشجرة المحرمة صارت هي شجرة الخلد والأكل منها ملك لا يبلى ولقد صار الناس على دربه وشأنهم في ذلك كشأن الببغاوات التي تقلد وتردد وهذا في أحسن الأحوال ولعل غربة الحال وتباعد الناس عن زمن النبوة كان سببا في انتشار هذه الظاهرة المؤسفة وخطورتها تكمن في أن تزييف الحقائق مع تسميتها بأسماء طيبة قد يؤدي إلى تغيير العقائد وبالتبعية إلى سلوكيات وتصرفات بعيدة عن الحق وخصوصا إذا ما شاع الأمر وذاع وتكلمت به العامة والخاصة والسلوك مرآة الفكر كما يقولون - وإذا كان الإنسان شديد الحذر تجاه الحية والعقرب فكذلك لا يصح أن يكون أعش البصيرة أو كحاطب بليل فلربما حمل معه حية تلدغه وشياطين الإنس والجن يتفننون في قلب الحقائق ويستخدمون الكلمات الطيبة أسوأ استخدام فمثلا يطلقون على باريس اسم عاصمة النور فماذا نقول عن مهبط الوحي وبماذا نصف مكة والمدينة والنور لا يعرف ولا ينتشر ويعم بوجود أدباء ومثقفين وفنانين وفلاسفة ... بل لو امتلأت باريس بالمتاحف والمسارح والمكتبات لما صح إطلاق هذا الوصف عليها فالنور يستمد من الوحي (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) [الشورى: 52]
وقد وصف سبحانه الإيمان في قلب عبده المؤمن بقوله (نور على نور) [النور: 35]