فهرس الكتاب

الصفحة 916 من 982

ولم يكن الأفاضل يفصلون بين معاني العلم النافع والعمل الصالح بل كانت الكثرة تسلط نظرها على السمت والسلوك والهيئة ومن المعلوم أن الدعوة بالسلوك أبلغ من الدعوة بالقول فكان أصحاب ابن مسعود ينظرون إلى سمته وهديه ودله فيتشبهون به. وكان يحضر مجلس أحمد بن حنبل زهاء خمسة آلاف أو يزيدون أقل من خمسمائة يكتبون والباقي يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت وكان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه لا لاقتباس علمه وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته. وقال عبد الرحمن بن مهدي: «كنا نأتي الرجل ما نريد علمه ليس إلا أن نتعلم من هديه وسمته ودله» . وكان علي بن المديني وغير واحد يحضرون عند يحيى بن سعيد القطان ما يريدون أن يسمعوا شيئا إلا أن ينظروا إلى هديه وسمته». وقال المروذي: «لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أبي عبد الله كان مائلا إليهم مقصرا عن أهل الدنيا وكان فيه حلم ولم يكن بالعجول وكان كثير التواضع تعلوه السكينة والوقار إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر يقعد حيث انتهى به المجلس وهكذا فأنت ترى كيف كانوا يقصدون هذا المعنى بالتعلم والطلب أكثر من النقل من الكتب؛ وذلك لأن حسن السمت من أخلاق الأنبياء والصالحين وهو دليل كمال الإيمان ورجاحة العقل ويكسب المرء احترام الآخرين وحبهم كما يكسبه الهيبة والوقار ويدل في كثير من الأحيان على صفاء القلب ونقاء السريرة. فعلى من يقوم بكشف الهيئة ومن ينظر في سمت المستخدمين لتخليص مصالحه وعلى الرجل والمرأة في الخطوبة ... أن ينظروا بعين الشريعة وأن يحرصوا على الاقتداء بأهل الفضل والصلاح في جميع أحوالهم حتى تتحقق المنافع وتندفع المضار والمفاسد ولا يصبح الإنسان كحاطب بليل أو كأعشى البصر والبصيرة ممن يغتر بملمس الحية الناعم وفي اقتنائها هلاكه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت