قال طالوت: الذئب ضعيف هل جربت نفسك في غيره؟ قال: نعم دخل الأسد في غنمي فضربته ثم أخذت بلحييه فشققتهما؛ أفترى هذا أشد من الأسد؟ قال: لا؛ وكان عند طالوت درع لا تستوي إلا على من يقتل جالوت فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت؛ فقال طالوت: فاركب فرسي وخذ سلاحي ففعل؛ فلما مشى قليلا رجع فقال الناس: جبن الفتى! فقال داود: إن الله إن لم يقتله لي ويعني عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. قال: وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت وهو شاك في سلاحه على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل فيما ذكر الماوردي وغيره؛ فقال له جالوت: أنت يا فتى تخرج إلي!. قال: نعم؛ قال: هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال: نعم وأنت أهون. قال: لأطعمن لحمك اليوم للطير والسباع؛ ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافا به فأدخل داود يده إلى الحجارة فروي أنها التأمت فصارت حجرا واحدا فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله وحز رأسه وجعله في مخلاته واختلط الناس وحمل أصحاب طالوت فكانت الهزيمة. وقد قيل: إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه وقيل: عينه وخرج من قفاه وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم. وقيل: إن الحجر تفتت حتى أصاب كل من في العسكر شيء منه وكان كالقبضة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم هوازن يوم حنين والله أعلم. وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود. قلت: وفي قول طالوت: «من يبرز له ويقتله فإني أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي» معناه ثابت في شرعنا وهو أن يقول الإمام: من جاء برأس فله كذا أو أسير فله كذا. وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلا بإذن الإمام؛ كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما.