لقد بلغت الاستهانة وقلة التقوى بالبعض أنه كان يقف بأبواب المحاكم مستعدا لشهادة الزور رجاء قروش معدودة بحيث تحولت الشهادة عن وظيفتها فأصبحت سندا للباطل ومضللة للقضاء ويستعان بها على الإثم والبغي والعدوان وفي الحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس و حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» [رواه البخاري] وقال عبد الله بن مسعود صلى الله عليه وسلم: تعدل شهادة الزور بالشرك وقرأ: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور) وعن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن قال: قدم رجل من العراق على عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم فقال: جئتك لأمر ما له رأس ولا ذنب (ذيل) فقال عمر: وما ذاك؟ قال: شهادة الزور ظهرت بأرضنا قال: وقد كان ذلك؟ قال: نعم فقال عمر بن الخطاب: والله لا يؤسر (لا يحبس) رجل في الإسلام بغير العدول.
فشهادة الزور نوع خطير من الكذب شديد القبح سيئ الأثر يتوصل بها إلى الباطل من إتلاف نفس أو أخذ مال أو تحليل حرام أو تحريم حلال وقد حكى البعض الإجماع على أن شهادة الزور كبيرة من الكبائر ولا فرق بين أن يكون المشهود به قليلا أو كثيرا فضلا عن هذه المفسدة القبيحة الشنيعة جدا ولا يحل قبولها وبناء الأحكام عليها ولذلك قالوا: فتوى المفتي وحكم الحاكم وقضاء القاضي لا تجعل الحرام حلالا ولا الحلال حراما والقاضي إنما يحكم على نحو ما يسمع فمن قضى له بحق أخيه فلا يأخذه إنما قضى له بقطعة من النار يترتب عليها سخط الجبار.
والأمور كلها على ما عند الله وعند الله تجتمع الخصوم (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) [الأنبياء: 47] .