يروي أبو نعيم في الحلية أن أبا القاسم الجنيد بن محمد قال:"كان الحارث المحاسبي يجيء إلى منزلنا فيقول: اخرج معي نُصْحِر فأقول له: تخرجني من عزلتي وأمني على نفسي إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات؟ فيقول: اخرج معي ولا خوف عليك. فأخرج معه فكأن الطريق فارغ من كل شيء، لا نرى شيئًا نكرهه. فإذا حصلت معه في المكان الذي يجلس فيه قال لي: سلني، فأقول له: ما عندي سؤال أسألك. فيقول لي: سلني عما يقع في نفسك. فتنثال عليّ السؤالات فأسأله عنها، فيجيبني عليها للوقت ثم يمضي إلى منزله فيعملها كتبًا" (34) .
ونفهم من هذا الخبر قوة شخصية المحاسبي. فقد كانت تهيمن على مريده الجنيد وهو مَنْ هو ذكاءً وفضلًا وعلمًا حتى كانت شوارع بغداد عاصمة الدنيا إذ ذاك تبدو فارغة من المفاتن وتلك"الشهوات والآفات"، ثم إن التنزه والجلوس في خارج المدينة كانا يسبلان الهدوء والارتياح والطمأنينة عليهما، ثم إن السؤال والجواب كانا وسيلتين للمحاورة واقتداح الفكر ووضوح التصورات وتداعي الخواطر وارتسام بعض الكلمات وتبلّر الجمل حتى إذا آب الأستاذ إلى منزله حرص على تقييدها.