(وفي ليلة 826) قالت: ومما يحكى أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان رجل تاجر بالديار المصرية يسمى تاج الدين وكان من أكابر التجار ومن الأمناء الأحرار، إلا أنه كان مولعًا بالسفر إلى جميع الأقطار ويحب السير في البراري والقفار والسهول والأوعار وجزائر البحار في طلب الدرهم والدينار، وكان له عبيد ومماليك وخدم وجوار وطالما ركب الأخطار وقاسى في السفر ما يشيب الأطفال الصغار، وكان أكثر التجار في ذلك الزمان مالًا وأحسنهم مقالًا صاحب خيول وبغال وبخاتي وغرائر وأعدال وبضائع وأموال وأقمشة عديمة المثال، من شدود حمصية وثياب بعلبكية، ومقاطع سندسية وثياب مرزوية وتفاصيل هندية، وأزرار بغدادية، وبرانس مغربية، ومماليك تركية، وخدم حبشية، وجوار رومية، وغلمان مصرية، وكانت غرائر أحماله من الحرير لأنه كان كثير الأموال بديع الجمال مائس الأعطاف شهي الانعطاف، وكان لذلك التاجر ولد ذكر يسمى عليًا نور الدين كأنه البدر إذا بدر ليلة أربعة عشر بديع الحسن والجمال ظريف القدّ والاعتدال، فجلس ذلك الصبي يومًا من الأيام في دكان والده على جري عادته للبيع والشراء والأخذ والعطاء وقد دارت حوله أولاد التجار، فصار هو بينهم كأنه القمر بين النجوم بجبين أزهر وخد أحمر وعذار أخضر وجسم كالمرمر كما قال فيه الشاعر:
ومليح قال صفني
قلت قولًا باختصار ... كل مافيك مليح