قال الأستاذ جواد في كلامه على ابن جني: (قال ابن جني: ألا تراك إذا قلت ضَرَب سعيدٌ جعفرًا، فإن ضرب لم تعمل في الحقيقة شيئًا، وهل نحصِّل من قولك ضَرَب إلى على اللفظ بالضاد والراء والباء، على صورة فَعَل، فهذا هو الصوت. والصوتُ مما لا يجوز أن يكون منسوبًا إليه الفعل) وعلَّق جواد على كلام ابن جني هذا بقوله: (وكان ابن جني واسع الخيال يتلعب بالكلام تلعبًا، فنقول له: إذا كان الفعل ضرب مكتوبًا أو ملفوظًا، وقد نصب جعفرًا، فهل هو صوت؟ فلولا وجود ضَرَب لم تنصب جعفرًا، فضرب إذن هو سبب نصبه. أما أن سعيدًا هو الذي ضرب جعفرًا فلا ينكره أحد، ولكن بيان ذلك احتاج إلى ذكر العمل الذي هو ترجمان الحركات.. فنسب الضرب إلى ضرب، ونسب ضَرَب إلى فاعل فَعَله، فالفاعل وُجد بوجود الفعل، ووُجد الفعلُ بوجود الفاعل، وإنما كانت نسبة الضرب إلى الفعل لأنه نتيجة له ومن جنسه، ولأنه قد يستغنى عن الفاعل فيقال: ضُرب جفعر، ولا يستغنى عن الفعل البتة) .
تفسير ابن جني للعامل اللفظي والمعنوي:
أقول قد عقد ابن جني في كتابه الخصائص (1 / 114) بابًا على ما اسماه (مقاييس العربية) وذكر أنها ضربان لفظي ومعنوي. وقد قصد بهذا ما قاله النحاة في بحث العامل من أنه عامل لفظي وعامل معنوي. فالعامل، كما في الأمهات، ما أوجب إعراب الكلمة أي جعل آخرها على وجه مخصوص، وما يتقوم به المعنى الذي يستوجب هذا الإعراب. فإذا كان العامل يتمثل بـ (اللفظ) كالفعل في قولك (قام زيد) فقد اسمي لفظًا، وإذا كان لا يتمثل باللفظ كمعنى الابتداء في قولك (زيد كريم) أو وقوع فعل المضارع موقع الاسم في قولك (مررت بامرأة تبكي) أي باكية، فقد اسمي معنويًا، وأكثر البصريين على أن العامل المعنوي لا يكون في غير هذين الموضعين، وقد أضاف الكوفيون ما أسموه بـ (الخلاف) فاعتدّوا عامل النصب في الظرف إذا كان خبرًا، وفي الفعل المضارع بعد فاء السببية أو واو المعية، عاملًا معنويًا أيضًا.