ويعلق الصفدي في الوافي بالوفيات على هذه الأسطورة فيكتب:"قلت: وهذه الواقعة ممكنة من قبل أبي نصر لأنه إذا غنى السامعين مثلًا بما لابن حجاج من ذلك المجون الحلو في نغم فإن السامع يضحك. وإذا غنى بأشعار متيمي العرب والرقيق من فراقياتهم وحزنياتهم في نغم النوى وما أشبه ذلك فإن السامع يبكي. وكذا حاله إذا أراد أن يشجِّع أو أن يسمِّح أو غير ذلك."
وثمة أسطورة ثانية ذكرها ظهير الدين البيهقي المتوفى 565 هـ في كتابه"تاريخ حكماء الإسلام"وهي رواية أخرى للأسطورة السابقة ولكنها تتعلق بالصاحب إسماعيل بن عباد أشد تعبيرًا عن تأثير موسيقى الفارابي في المستمعين. وكذلك نجد أسطورة ثالثة دبَّجها محمد بن إسماعيل شهاب الدين الحجازي المصري الشافعي المتوفى سنة 1274 هـ في كتابة سفينة الملك ونفيسة الفلك تتعلق باختراع الفارابي لآلة العود. إن هذه الروايات نظنها مصطنعة للدلالة على مكانة الفارابي في الموسيقى.
والخلاصة أن الفارابي غرة عن الحضارة العربية الإسلامية وكوكب متألق من كواكبها الكثيرة النيرة الدرية تزهى به وبأمثاله الحضارة الإنسانية كلها بَله الحضارة الإسلامية. وهو فيما سبق إليه من تفكير في تعاون الأمم على إنشاء المعمورة الفاضلة حقيق بأن يخلد اسمه في كل منظمة عالمية ترفع ذلك الشعار وتحلم بتلك الغاية النبيلة وتسعى فيما تستطيع نحو تحقيقها. ولاشك في أن أكبر الأعمال الإنسانية بدأت بالأحلام السليمة العالية.
لما أنهيت كتابة هذا البحث طويت أوراقي وأغمضت عيني أسبح في أمواج الأحلام فإذا بي أتوهم خيالًا بقربي أوجسته خيال أبي نصر وكان خيالًا شاعريًا فذكرت أنه ينسب إليه شعر لا بأس به فسألته عن صِحّةِ ما ينسب إليه منه فإذا بصوته يقرع جدار القلب بلطف وأصيخ فأتبين ألفاظه:
تركت الشعر للشعراء غيري... ولكني أُلِمُّ به لماما
لعل القول ينفذ في قلوب ... فيوقظها إذا كانت نيامًا