وقيل أن (التنور) في كل لغة، وفي هذا نظر. قال الليث (التنور عممت بكل لسان) . وقد قال بهذا الرأي ابن جني في الخصائص (3/286) إذ قدر أنه (وفاق وقع بين لغتين أو ثلاث أو نحو ذلك، ثم انتقل بالنقل في جميعها) . قال أبو الفتح: (وما أقرب هذا من نفسي) . قلت قد أشرت في فصلٍ عقدته حول نشوء اللغات في كتابي (مذاهب وآراء في نشوء اللغة وتدرج معانيها) إلى أن ما يمكن أن يتفق فيه كثير من اللغات، في الغالب، هو اللفظ الذي يتولد بمحاكاة أصوات الطبيعة فيكون لفظًا في اللغة الإنسانية، وليس (التنور) كذلك. وقد علل الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه (القراءات القرآنية/ 361) ذهاب الأئمة إلى هذا الرأي بأن (التنور) قد ورد في قصة نوح عليه السلام وهو الأب الثاني للبشر، ثم تفرعت لغات البشر فانشعبت عن لغته. ولا أحسب أنه يمكن التعويل على هذا. وقد آثر الدكتور شاهين أن يكون (التنور) معربًا عن الفارسية، كما حكاه الإتقان واللسان، وعندي أنه الرأي الراجح. ذلك أن جمود اللفظ قرينة من قرائن عجمته. و (تنور) بتخفيف النون الفرن بالفارسية و (تنوره) المدخنة كما في قاموس الفارسية للدكتور عبد المنعم محمد حسنين ولقد ذكر الدكتور الحلبي الموصلي في كتابه (الآثار الآرامية) أن له أصلًا في الآرامية، وليس هذا دليلًا على أنه سامي الأصلي، ذلك أنه ليس متصرفًا فيها، فقد يكون اللفظ قد انتهى إلى العربية بطريق الآرامية. فقد لاحظ العلماء مثلًا انتقال لفظ (الصراط) من اليونانية إلى العربية بطريق الآرامية، وانتقال لفظ (الكرسي) من الصينية إلى الفارسية فالآرامية فالعربية، كما أشار إلى ذلك صاحب (القراءات القرآنية) .
2-قال المحقق: ما ذهب إليه ابن الجواليقي في (تامور) وما ذهب إليه ابن بري ورد كله في اللسان، وهذا يعني أن الثاني أكمل ممّا ذكره الأول، وليس من خطأ يحمل على ابن الجواليقي.