ولكني عدت في المقالة الثالثة (3) من السلسلة إلى البحث مجدَّدًا في إعجاز القرآن البلاغي وتحديد مزايا اللغة التي أنزل القرآن بها. فتحدثت عن اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية الذي بلوره ابن جني في (الخصائص) والإمام الجرجاني في (دلائل الإعجاز في علم المعاني) في نظريتين متتامتين. وأشرت إلى المنهج التاريخي العلمي في الدراسة اللغوية الذي يمكن استنباطه من التنام بين نظريتي ابن جني والجرجاني. ولدى دراسة لغة القرآن الكريم باستخدام المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية، بينت بالدليل العلمي والفقهي أن (القرآن الكريم أنزل بلسان عربي مبين) . وفندت خطًا القول أن"القرآن الكريم أُنزل بلسان قريش". وعرضت نظرة جديدة في تاريخ اللسان العربي كشفت عن ثلاثة أطوار مرَّ بها اللسان العربي في مسار تطوره التاريخي (القديم والأوسط والحديث) تتميز بوجود اختلافات في نمط البنية الصرفية والنحوية.
ولدى البحث في مزايا اللسان العربي المبين الذي أنزل القرآن به، بينت أن سبب تسمية لغة القرآن الكريم (اللسان العربي المبين) يرجع إلى أن لغة القرآن ليست في الواقع لغة (لهجة) عربية واحدة، بل هي عبارة عن مجموعة من اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في بداية الاسم. وبما أن هذه المجموعة من اللغات العربية تمثل طورًا حديثًا من اللسان العربي أعلى من الطورين السابقين (الأوسط والقديم) من حيث الفصاحة والإبانة، فقد سميت الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن (اللسان العربي المبين) . وبهذا المعنى يصح وصف القرآن بأنه (عربي) لأنه أنزل باللسان العربي المبين الذي صار اللسان العربي الواحد المشترك لجميع العرب، وصار يطلق عليه فيما بعد تسمية (اللغة العربية الفصحى) .