وذهب قوم إلى الجمع بين غايتيْ المنفعة والمتعة، ورأوا أن إحداهما لا تتحقق إلا بوجود الأخرى، فربط ناقد مثل سدني بين الفنان والجمهور حين ألحّ على الغاية، وقال ـ هو وطائفة من أضرابه ـ:"إنما هَمّ الشاعر أن يعلّم ويمتع، ولذلك ذهب سدني في دفاعه عن الشعر إلى البحث في كل نوع منه وتقديره بالنسبة لأثره، فالشعر البطولي سيّد الأنواع الشعرية لأنه أقدرها على إذكاء الرغبة في العقل ليطمح إلى المعالي ( [2] ) .."
وقد طرحت هذه القضية في تراثنا الأدبي مثلما طرحت في آداب الأمم الأخرى، وعرف النقد العربي المنازع السابقة جميعها.
ويتوفّر هذا البحث على دراسة وظيفة الشعر عند العرب في الجاهلية وفي الإسلام، ليبرهن على قضية معينة وهي أن أغلب الوظائف خلقية تعليمية ذات طابع نفعيّ، فالعرب ـ في الأغلب الأعمّ ـ لم تنظر إلى الشعر على أنه فن مجرد عن الهدف، غايته التنميق اللفظي، أو التشكيل الجمالي، أو الإمتاع والإطراب المجردان، بل ارتبط الشعر عندهم، بشكل واضح.
ـ كما سيكشف عن ذلك البحث ـ منذ نشأته، وحتى تطوره ـ في فترات الإسلام المختلفة ـ بغايات لا تجرِّد الشعر من الوظيفة، أو تجعله ـ على نحو ما ترى في بعض المذاهب الغربية ـ شعرًا للشعر، أو فنًا للفن، بل كانت أهمية الشعر، ومكانة الشاعر، تنبعان من طبيعة الدور الذي يؤديه، والغاية التي يأرب بتحقيقها.
ولقد اهتمّ النقد الأدبي عند العرب بالشعر خاصة؛ لأنه رأس الفنون الأدبية عندهم، وهو ديوانهم الحقيقي، وإذا كانت الوظيفة الخلقية ـ في جوانبها المختلفة كافة ـ شديدة الوضوح في الشعر؛ فإنها ـ من غير شكل ـ في النثر أوضح؛ إذ الشعر أقرب إلى الجموح، وأوغل في الخيال، وأبعد في الهيمان والانطلاق حتى وقر في نفوس قوم أن"أعذب الشعر أكذبه"وحتى وجدنا واحدًا مثل سارتر ـ وهو من دعاة الأدب الملتزم ـ يعفي الشعر من الالتزام، ويخصّ به النثر.
وظيفة الشّعر في الجاهلية: