فإذا كانوا قد آثروا المصادر على الجواهر في كونها أصلًا للاشتقاق، فلم يسبق إلى اعتقادهم أن المصادر قد وضعت قبل أسماء الجواهر البتة. وهذا حالهم حين قالوا الاسم أسبق من الفعل إذا لم يَدر بخلدهم أو يقع في ظنهم أن الأسماء تقدمت الأفعال في الزمان. فانظر إلى ما قاله ابن جني (1/ 432. ط-1913) : (فكيف يجوز أن يقصد سبق الاسم للفعل في الزمان، وقد رأيت الاسم مشتقًا منه، كاشتقاق قائم من قام، ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه) .
وأردف (وأيضًا فالمصدر مشتق من الجوهر كالنبات من النبت، وكالاستحجار من الحجر، وكلاهما اسم) .
فاتضح بذلك أن المصدر، وهو أصل اشتقاق الفعل عند البصريين، قد اشتق نفسه من الجوهر فالذي أراده الأئمة وعنوه إذًا أنه إذا قام للفعل مصدر وجوهر كان اشتقاقه من المصدر (فالمصدر ألصق به من حيث بناؤه وما يعتريه ويعترضه من الأتباع إبدالًا وقلبًا وإعلالًا) . ولا يمنع هذا أن يكون اشتقاق المصدر نفسه من الجوهر في الأصل. ومن عمد من الأئمة إلى التعويل على (الزمان) وكان ملحظه (نشوئيًا) نبه على أن (الجواهر) وهي أسماء الأعيان عند المتأخرين، هي المتقدمة، وأن (الأفعال وما يتصل بها من أسماء المعاني) هي المتأخرة. ذلك ما ذهب إليه السكاكي في كتابه (مفتاح العلوم) ، حين جعل الكلم المستقرأة نوعين. الأول ما (يشهد التأمل بتقدّمه في باب الاعتبار والثاني ما جاء(بخلاف ذلك) وهو المتخلف. وقد سلك في المتقدم (الجوامد) وهي الجواهر، وسلك في المتخلف (الأفعال وما يتصل بها من الأسماء) أسماء المعاني والصفات.
وليس هذا حسب بل أكد أن أكثر ما يتصل بالأفعال من الأسماء، إنما هو فرع على الأفعال. وأردف (إلا المصدر عند أصحابنا البصريين رحمهم الله/14) فإنهم يعتدّون الفعل فرعًا عليه. لكنه لم يشايعهم فيما انتحوه وقرروه كما سنراه.