لقد جئنا أستاذنا الأفغاني بأخرة من الزمان حين أشرف على الستين ثم وافاها.. وكانت المفاجأة الكبيرة لنا نحن طلاب السنة الثالثة من قسم اللغة العربيّة في اليوم الأخير تقريبًا أو في الأيام الأخيرة من عام 1968 حين فرغ أستاذنا من درسه قبل الوقت بعشر دقائق أو نحوها على غير عادته، والتفت إلينا يقول: هذا هو الدرس الأخير لي عندكم.. وتمنى لنا التوفيق. وكان مما قال: إن غالبكم سيكون في المستقبل القريب ضمن سلك التدريس وأنتم أصحاب مسؤولية.. وأنا أنصح لكم ألاَّ تدخلوا على طلابكم إلا بعد تحضير الدرس.. ورفع إلينا أوراقه، وقال: لقد أمضيت أربعين سنة في التعليم، نصفها في المدارس ونصفها في الجامعة، لم أدخل يومًا من الأيام إلى الصف من غير أن أراجعه وأثبت منه ما يلزم للطلاب.
وأسفنا بعد خروجه كل الأسف، وأحسسنا أننا فقدنا أشياء كثيرة، وتساءلنا: ماذا كان من الجامعة لو أنها مددت لأستاذنا خدمته أشهرًا لينتهي العام الدراسي، ونكمل معه منهاج القواعد الذي نفرغ منه في آخر السنة الثالثة.
ومع الأيام عرفنا أي أستاذ رحل، وبقينا على ذكرى دروسه التي انقضت سريعًا. ولئن كنَّا آخر تلامذته في جامعة دمشق لقد كان أساتذة مدارس دمشق لأجيال مضت قبلنا من تلاميذه.
كان أستاذنا الأفغاني يؤمن بالعربيّة إيمانه بدينه، يتحمس لها، لأنها عنوان أمته التي يخشى عليها من أعدائها. ولعل الذي يمثل عقيدته في لغته حق تمثيل كتابه حاضر اللغة العربية في الشام ولعله أهم ما كتبه في حياته على ما أزعم.