وكان الأستاذ الطنطاوي غالبًا هو الذي يقترح موضوع المناقشة والحوار، ومن الطرائف التي ما زلت أذكرها أن الشيخ اقترح يومًا أن يتحدث الحضور في موضوعات شتى تبدأ من التعليق على خطبة الجمعة على أن يكون الحديث كله شعرًا... كما اقترح في يومٍ آخر أن يؤلف الحضور جمعية دَعوها: جمعية الحمير، وأن يصدروا في كل ما يقولون عن تصوّرهم لطرائق الحمير في التفكير، وقد توصلوا في حوارهم إلى أن عالم الحمير قد يكون أقرب إلى الخير، وأبعد عن الشر من المجتمع الإنساني الذي تقوده الأطماع، ويستعبده المال والجاه والسلطان. وكان أستاذنا الأفغاني أقلّ الحاضرين كلامًا. على أنه لم يكن يفوته النقد اللاذع، أو الملاحظة الموجعة، وكثيرًا ما كان يتبادل مع الأستاذ الطنطاوي الحديث الساخن والنقاش الحاد.
وقد عُرِف عن شيخنا الأفغاني أنه كان لا يعود عن رأيٍ رآه، أو موقفٍ اتخذه، ولو عاد عليه إصراره بأضرار كان يمكن دفعها، وقد عبّر هو نفسه عن ذلك بقوله:"وفي طبعي هيام بالحرية والصراحة، وكثيرًا ما أُنِكّبُ الطريقَ الأسلم في سبيل الجهر بما أرى أنه الحق في العقائد والأشخاص، متحمّلًا بصبرٍ وطمأنينة ما أجرّ على نفسي من عناءٍ وعداء... وهذا بلاء حتمٌ لا مفرَّ منه لمن خُلِق حُرًّا صريحًا، ولو حاول غير ذلك ما استطاع" (3) .