وقال ابن هشام الأنصاري"إن من"ههنا زائدة والتقدير:"يغفر لكم ذنوبكم وقيل بل الفائدة فيه أن كلمة"من"ههنا لابتداء الغاية، فكأن المعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب" (40) ، وقال الزمخشري:"إنما بعض المغفرة لأن من الذنوب ما لا يغفره الإيمان كذنوب المظالم ونحوها" (41) .
وما أطلقه ليس بصحيح، وهو قوله: إن الإيمان لا يغفر المظالم. لأن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه يجبُّ الإسلام عنه إثم ما تقدم بلا إشكال.
وتعتبر ظاهرة الإبدال التي رأيناها في القرآن الكريم ظاهرة مخالفة لمعيارية اللغة، لأن هذه المعايير حددت على أساس نصوص مختارة من الشعر والنثر، وهذا يعني من الوجهة النظرية أنه لا بد من وجود فروق بين النظام اللغوي"المعيار"وظواهر الاستعمال اللغوي، فإذا كان المجاز هو كسر العلاقة العرفية بين اللفظ والمعنى الذي وضع له في الأصل،"فإن ظاهرة إبدال الحروف كسر هو الآخر للعلاقة التي بين الحرف والمعنى الذي وضع له في أصل كلامهم، إلا أن النحاة القدامى أطلقوا على هذه الظاهرة مصطلح"الاتساع"وهو من سنن كلامهم، وبالتالي لا يخرج عن معيارية اللغة، والاتساع ينتج عن تبادل الوظائف النحوية، ويعد ذلك عندهم من الرخص الكلامية، مقابلة للرخصة عند الفقهاء، وقد أعطاه النحاة مصطلح التضمين وهو ما يقابل مصطلح"الاتساع"عند البلاغيين" (42) .
فحروف الجر التي يحل بعضها محل بعض قد تغير دلالة التركيب، وقد يبقى المعنى على ما هو عليه في الأصل، والحكم تحدده مقتضيات السياق وقد أطلق المحدثون عليها:"تبادل الوظائف الدلالية"وهذه ظاهرة عامة في الاستخدام العربي وهو نوع من أنواع إبداع اللغة وواحدة من صورها، وهي أيضًا من الوظائف النحوية الناشئة عن اتساع في استخدام الوحدات اللغوية لتؤدي المعاني المختلفة سواء في البلاغة أو في النحو أو في اللغة" (43) ."