قبل خالد المسؤولية وبدأ في وضع خطة حربية تناسب الوضع.. وانتهز فرصة قدوم الليل فبدّل موضع الكتائب، حيث جعل الميمنة ميسرة وجعل مقدمة الجيش في آخره. ورصد من خلف الجيش طائفة يثيرون الغبار ويكثرون الجلبة، فلما طلع الصباح على الفريقين إذا بكل طائفة من الروم ترى قبالتها وجوهًا غير الوجوه، وأعلامًا غير الأعلام، وسمعوا جلبة وقعقعةً للسلاح، فتوهّم الأعداء أن مددًا جديدًا أقبل على جيش المسلمين. ولما اندفع خالد للقتال يحاورهم ويداورهم ليفتح ثغرة في صفوف الروم، ويؤمّن انسحاب الجيش، لم يتبعوه خوفًا من الكمين وظنوا أنه يستدرجهم ليطبق عليهم.. وأبلى خالد فاندقّت في يده تسعة سيوف ولم تصبر معه سوى صحيفة يمانية وكان هذا التراجع المحمي بشجاعة، غطاءً صالحًا للجيش الذي عاد إلى المدينة بسلام حيث لم يستشهد في المعركة سوى اثني عشر رجلًا منهم القادة الثلاثة الذين ندبوا للشهادة، وهكذا تبدّلت هزيمة جيش المسلمين إلى نصر حيث صمد ثلاثة آلاف مقاتل مقابل مئتي ألف. أي أن كل مسلم كان يصمد أمام سبعين من أعدائه.
فكيف ظهرت عبقريته الحربية؟
إن أجدادنا فسحوا الطريق لخالد الذي وجدوه أهلًا لإدارة المعركة، فوقوا أنفسهم تبعات هزيمة محققة.