ولسنا هنا بقصد إثبات الأولية لابن إسحق أو لأبي عمرو، فليس ذلك من وكدنا، ذلك أنّ أولّية العلوم ليست أمرًا يقينيًا، فهي أعرق في الشك وأبعد غورًا.
وحسبنا أن نقول ما سبق أنْ قدمنا به من أن العلة والتعليل سارًا جنبًا إلى جنب مع الأحكام النحوية، وأنّ النحاة قد يختلفون في تعليلاتهم إلا أنهم متفقون على الحكم ومجتمعون عليه (8) .
وما إن نصل إلى عصر الخليل حتى تغدو العلة مقصدًا يؤمّه النحاة، وغاية يتجهون عن سابق وعي وإدراك، فيبلغ الخليل"الغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله، وكثر التعليل عنده كثرة لفتت إليه الأنظار، فقال عنه الزبيدي:"استنبط من العلل ما لم يستنبطه أحد وما يسبقه إلى مثله سابق (9) "، فكان أوّل من بسط القول في العلل، فقد سئل عن علله التي يعتل بها في النحو: أأخذها عن العرب أم اخترعها من نفسه؟ فقال:"
"إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها وقام في عقولها علله، وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما علّلته منه. فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست. وإن لم تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارًا محكمة البناء، عجيبة النظم والأقسام، وقد صحّت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة، والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا. سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك. فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أَلْيق مما ذكرته فليأت بها (10) ".