أما الوليد بن يزيد فقد فَتَّقَ في فني الخمرة والغزل ما فتق، وبنَى فيهما ما بنى مستندًا على التقاليد الفنية القديمة، مستجيبًا بها للحياة والواقع الذي كان يُملي عليه ما يقول إملاء، وقد ترك أثره وطابعه على الشعر العباسي، حتى ليكاد الوليد الأموي يبدو لنا عباسيًا سبق عصره، كما يقول البهيبتي ( [11] ) أما الحلقة المفقودة بين الوليد وبين رائد الشعر المجون، وزعيم هذا الاتجاه أبي نواس فهي مطيع بن إياس الذي اتهم بالزندقة وصور في شعره حنينه إلى أيام الشباب واللهو والاستمتاع بملذات الحياة من دون مبالاة بالدين أو بفرائضه ـ إنه يَجْهَرُ بارتكابه المحرَّمات، بل يحث الناس على الفساد بدعوى أن العمر فانِ، وأن اغتنام الملذات فرصة الإنسان في الحياة، لاتتكرر، يقول: ( [12] ) ... واشرب معتَّقَةَ الدِّنانِ
اخلع عِذارَكَ في الهوى
وَصلِ القبيحَ مُجَاهِرًا ... فالعيشُ في وصلِ القيانِ
لا يُلهِيَنَّكَ غيرُ ما ... تَهوَى فإنَّ العُمرَ فانِ
فمطيع في شعره يصور منطلقات نزعة التنوير، أو ناحية الزندقة الفكرية التي تدعو إلى تحرر الإرادة الإنسانية، وحرية الفرد في أن يفعل ما يشاء دون ارتباط بأي قيد، كما يشير هنا في قوله: ... وبالحركات من بَمَّ وزيرِ
(لا يُلهِينَّك غيرُ ما تهوى) .