فبظهور بغداد، مدينة العلم والترف واللهو والمجون ـ مركزًا أوَّلَ للحضارة العباسية ـ اشتدت موجة اللهو حتى بلغت درجة المدّ المالي وأخذت ـ كما أسلفت ـ تيارات اللهو والزندقة والمجون تتدفق حارة، صاخبة، لتجرف معها الشباب إلى أقصى غاياتها، وكانت قصور بغداد تموج بالجواري والغلمان من كل جنس، ومع الجواري غناء وموسيقا ولهو وعبث، بل فِتَنٌ من كل لون، لم يسمع بمثلها الناس من قبل، ومع هذا كله خمر تسيل بغير حساب، ومجالس شراب لا تكاد تنقض حتى تعقد من جديد، وبين الجواري والخمر تقف الغواية وقد تجردّت من ثيابها جميعًا، وبسطت ذراعيها أوسع البسط لتضمَّ إلى أحضانها كل من يسعى إليها، وأخذ الشباب يتساقطون في حَمْأَتها تساقط الفراش المتهافت على النار ( [3] ) . وفي أعماق الهاوية السحيقة مضت جماعات الشعراء تقترب على غير هدى وتجرر حبال الخلاعة، وقد ألَّفَ اللهو بينهم وربط المجون بين أسبابهم، كلُّهم فاسقٌ وخليع، وكلهم متّهم في دينه وخلُقُه، من هؤلاء: والبة بن الحُباب، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد، والخاركي والحمادون الثلاثة، والحسين بن الضحاك، ومسلم بن الوليد، وأبو نُواس، ويوسف بن الحَجَّاج وغيرهم كثير... ومضى هؤلاء يصورون حياتهم الاجتماعية، بل حياة مجتمعهم بكل ما يدور فيه من لهو ومجون وخلاعة وشذوذ، في صراحة وصدق، بل في إباحية سافرة في بعض الأحيان.
لقد أخلص شعراء هذا العصر لحياتهم، كما أخلصوا لفنهم، وكما كانت حياتهم حرة طليقة لا يقيدها قيد، كان فنهم كذلك تعبيرًا حرًا لا يقف أمامه تقليد ـ كما سنبين ـ فكان شعرهم ميدانًا لهذه المؤثرات وفيه عبَّروا عن فلسفتهم في كثير من قضايا الحياة العامة ومظاهرها المختلفة، ومنها ظاهرة المجون أو الظَّرف.