اتفق أكثر الباحثين والمؤرخين على أن للتأثير الفارسي دورًا كبيرًا وقويًا في نمو ظاهرة المجون وانتشارها. فالفرس أمة عريقة لهم ثقافة غنية في القديم، ورثوا شيئًا منها عن الثقافات الشرقية القديمة كالهندية والصينية، وبصفة خاصة النزعة الحضارية المادية، كذلك فقد ورثوا شيئًا آخر عن الثقافة اليونانية التي جلبها الاسكندر بجيوشه الفاتحة، والتي نقلوا شيئًا عنها قبل الإسلام، وقد تجمعت لهم من هنا وهناك روافد ثقافات متعددة ومتباينة، فكانت النتيجة أن اتسمت ثقافتهم بصفات ومميزات أكسبت العرب الساكنين في جنوب العراق، في الحيرة والأنبار، شيئًا كثيرًا من الحضارة قبل الإسلام، بفعل النفوذ الفارسي السياسي والعسكري على هذه المنطقة، ثم أصاب هذه الثقافة شيء من الضعف قبيل ظهور الإسلامي، واستطال هذا الضعف حتى شمل أربابها في السياسة والاجتماع، فلم يقووا على ملاقاة العرب المسلمين في موقعه نهاوند سنة (21) للهجرة، ولشدة الهزيمة التي أصابتهم وكثرة الغنائم التي أدركها أعداؤهم سمَّى المسلمون هذه الوقعة (فتح الفتوح) ( [2] ) .
فهناك أمة قوية أصابها الضعف، وهنا مدينة عزيزة قوية تعد ميراث حضارات عربية قديمة نشأت في بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، ثم جاءت الثورة الإسلامية التي غيَّرتْ بنية المجتمع العربي، فقويت واتسعت وانتشرت معتمدة على العلم والثقافة، كما اعتمدت على العقيدة، والوجدان وعزم الرجال على انتصار دولة العرب، فكانت الفتوحات، وكان التقاء المدينتين: العربية والفارسية حيث تكونت حضارة جديدة أساسها اللسان العربي المتين، والثقافة العربية، والملك العربي، على الرغم من صيحات الشعوبية التي بدأت بالظهور في العصور الأموي نتيجة سياسة الأمويين تجاه الأعاجم وتعصبهم الشديد للقومية العربية، وتراث العرب الزاخر، وفي ذلك مخالفة لسياسة التسوية في الإسلام.