لكل ما سبق، يكاد يكون من البديهي القول بأن البلاذري في أنساب الأشراف )) قد أفصح عن مقدرة عالية تتوفر على تفاصيل موثقة ومسندة في مجال المعرفة التاريخية بشكل عام، واختص وانفرد بمعلومات بينما التقى مع مؤرخين آخرين في تقديم معلومات اقتصادية ومالية، وهو في كلتا الحالتين يتفوق ويتميز بالأمانة وبكثير من الحياد والنزاهة في تحري الحقائق والغوص في أعماق ودلالات الأحداث والوقائع معبرًا ومفصحًا عن منهج ينفرد به في الجمع بين أسلوب كتاب الطبقات وأسلوب الإخباريين والنسابين، وفق لغة مركزة مقتصدة، لا تقع في فخ الاستطراد والمبالغة، ومع أنه قد عمل مع بعض الخلفاء العباسيين كالمتوكل والمستعين، فإنه لم يغادر الاتزان والموضوعية أو الابتعاد عن تقديم الحقائق المجردة (72) ليدلل على تطور معين في الكتابة التاريخية التي أنضجها عصره، مع مراعاة خصوصية نظرته في تحقيق التواصل في التاريخ الإسلامي، وتأكيد الديمومة والاستمرار من خلال الإحاطة بدور الأشراف، اعترافًا منه بدورهم في تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ الأمة، والانطلاق من خلال التاريخ لهؤلاء الأشراف، ليؤسس ويسجل هذا التاريخ على مستوى ما قاموا به في الحياة والسياسة والمجتمع، فتاريخ الأشراف هو الإطار الذي يضم ويتضمن ويحتوي التاريخ بوقائعه وأحداثه في القلب منه، بحيث يتواشج ما هو واقع على حدود الإطار مع ما هو في الداخل منه عبر منهج فريد وباهر اعتمده البلاذري، لذا يمكن القول إن كتاب أنساب الأشراف )) المتضمن لثروة تاريخية عن صدر الإسلام، بمثابة دليل على عناية مؤرخ نبيه، صاحب ذائقة بالنواحي الاقتصادية والأمور المالية، الأمر الذي يضعف من الفكرة الرائجة التي تسعى لترسيخ عدم عناية مؤرخينا القدامى بالشؤون الاقتصادية، وتريد أن تكرس إهمالهم للجوانب والتنظيمات المالية، فالبلاذري يقدم لنا مئات البراهين والأدلة والشواهد على العناية بالكثير من المسائل الخاصة بالاقتصاد