فهرس الكتاب

الصفحة 18211 من 23694

فالنجدي إذن لم يكن يفارق نجدًا إلا نادرًا، واضطرارًا، ولا يكاد يفارقه حتى يحن إليه، ويلهج باسمه، بل كثيرًا ما يستبد به الشوق قبل أن يقطع أرض نجد، فيحاول أن يملأَ صدره بعبق العرار، ونفحات تلك الأرض، وهو بذلك يتشبث بكل مايمكنه التشبث به من ربوع نجد، ولو استطاع حمله لحمله معه ليتزود به في غربته، وما تكرار اسم"نجد"في هذه الحال إلا نوع من التشبث بالموطن وبكل مايمت إليه بصله. وهذه هي حال القائل ـ وهو الصِّمة القشيري حسب بعض الروايات ـ الذي يكادُ يذوب في نفحات نجد، وريح عراره: ... بنا بين المُنيفةِ فالضِّمارِ

أقولُ لصاحِبي والعيسُ تخدي

تَمتَّعْ من شميمِ عَرار نجدٍ ... فما بعدَ العشيةِ من عرارِ

ألا حبذا نفحات نجدٍ ... ورَيَّا روضهِ بعد القِطارٍ

وأهلُكَ إذ يحلُّ الحَيُّ نجدًا ... وأنتَ على زمانكَ غيرُ زاري

شهورٌ ينقضينَ وما شعرنا ... بأنصافٍ لهنَّ ولا سِرار (7) .

وفي هذه الأبيات إشارات لأسباب تعلق النجديين بموطنهم، منها طيب هوائه، وجودة نباته، وطيب الحياة فيه. ... طوالَ الليالي من رجوع إلى نجدِ

وقد عَبَّرَ بدويٌ من بني طهية عن معاناة النجدي في غربته عن موطنه وعن محبوبته، وقد يئس من إمكانية الإياب، وهو يحصي أيام اغترابه وطول لياليه، وفكر بحياته التي لا"ليلى"فيها، ولا"نجد"، فهو إذن في حرمان مرير إلى يوم القيامة:

أحنُّ إلى نجدٍ وإني ليائسٌ

فإنكَ لا ليلى ولا نجد فاعترِفْ ... بهجرٍ إلى يومِ القيامة والوَعدِ (8) .

ويمكن للقارئ أن يلاحظ تكرار كلمة"نجد"ثلاث مرات في هذين البيتين، والشاعر بذلك يحاول استحضار بلاده، وإبقاء صورتها مرسومة في ذهنه ووجدانه بكل تجلياتها، يستمد منها طاقة حياته في غربته، بينما لم يذكر اسم محبوبته"ليلى"إلا مرة واحدة، وكأن محبوبته قد تماهت في"نجد"، فحين يلهج باسمه يلهج باسمها ضمنًا. ... نسيمَ الصَّبا يَخلُصْ إليَّ نسيمُها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت